الأخبار
البابا في مقابلته العامة: زيارتي إلى فرنسا كانت علامة ولادة جديدة
استعاد قداسة البابا لاوُن الرابع عشر، خلال المقابلة العامة الأسبوعية في ساحة القديس بطرس صباح الأربعاء 30 أيلول، أبرز محطات زيارته الرسولية إلى فرنسا من 25 حتى 28 أيلول، معتبرًا أن «الولادة الجديدة» شكّلت الخيط الناظم لهذه الزيارة، وأن كاتدرائية نوتردام في باريس وما عاشته من مأساة ثم نهضة يمكن أن يلقيا ضوءًا رمزيًا على مجمل الرحلة.
وقال البابا إن مأساة نوتردام وما أعقبها من إعادة بناء «أثارا ردّ فعل إيجابيًا على كل المستويات»، وأظهرا قدرة الكنيسة والدولة والمؤسسات العامة والمجتمع المدني على العمل معًا، والاستفادة من سخاء المتبرعين ومن كفاءة المهنيين وأصحاب الخبرات والحِرف.
وشدّد على أن هذا «التآزر من أجل الخير العام» ينبغي أن يصبح قاعدة بالنسبة إلى المؤسسات والقوى السياسية والاجتماعية وجميع أصحاب المسؤوليات المدنية والاقتصادية، مؤكدًا أن المعيار الأساسي الذي يجب أن يقوم عليه هذا التعاون هو كرامة الشخص البشري.
وأشار إلى أنه حمل الرسالة نفسها خلال لقائه السلطات الفرنسية وفي خطابه أمام منظمة «اليونسكو».
كنيسة من حجارة حيّة
وتوقف البابا لاوُن الرابع عشر عند صلاة الغروب التي ترأسها في كاتدرائية نوتردام، رابطًا بينها وبين أمسية الصلاة التي شارك فيها لاحقًا مع نحو 80 ألف شاب وشابة في «استاد فرنسا».
وقال إن المكانين مختلفان تمامًا، لكن الحدثين كانا متكاملين ومرتبطين روحيًا، موضحًا أن ما جمعهما هو الكنيسة التي «لا تتكوّن من حجارة وإسمنت، بل من أشخاص يحبون يسوع المسيح لأنهم أحبّوا أولًا من قبله».
وأوضح أن الاستاد جمع «الجيل الفرنسي الجديد»، لا بمعنى العمر فقط، بل من خلال الروح وحرية القلب والإيمان.
وتحدث عن الأناشيد والهتافات التي ملأت المكان، إلى جانب لحظات الصمت والإصغاء، والوجوه المتأثرة والمنتبهة التي عبّرت عن قلوب متعطشة إلى الحقيقة والمحبة، معتبرًا أن الأمسية شكلت «علامة رجاء كبيرة».
وأشار إلى أن هذا الرجاء نفسه تجلى أيضًا في زيارته مركز «Maison Bakhita» لاستقبال المهاجرين، حيث يعمل أشخاص كل يوم بمحبة في خدمة كرامة الإنسان.
ولفت كذلك إلى علامة أخرى من علامات التجدد تمثلت في تزايد أعداد المعموديات بين الشباب والبالغين في فرنسا خلال السنوات الأخيرة، مشيرًا إلى أنه أراد تشجيع هذه المسيرة من خلال مشاركته في جمعية سينودية إقليمية منعقدة في باريس للتجاوب مع هذه «المفاجأة الجميلة من الله».
واستذكر البابا القداس الذي ترأسه في ساحة «لا كونكورد» وسط باريس بمشاركة نحو 700 ألف شخص، امتدت حشودهم على جادة الشانزليزيه وصولًا إلى قوس النصر وما بعده.
وقال: «في لحظة المناولة، تمكن الجميع من تناول الإفخارستيا التي وُزعت في كل مكان. هذه هي إعادة البناء الحقيقية، وترميم الكنيسة الذي لا يستطيع أن يصنعه إلا الله، بشفاعة العذراء مريم».
كل حياة تستحق الرعاية
وانتقل البابا إلى الحديث عن محطته الثانية في لورد، واصفًا المزار المريمي بأنه «مزار حضارة المحبة».
وأكد أن الرب، من خلال عناية العذراء مريم الوالدية، يوجّه إلى الجميع، ولا سيما المرضى جسديًا وروحيًا، رسالة رجاء وولادة جديدة.
وقال إنه أراد أن يؤكد بوضوح أن «كل حياة بشرية، مهما كانت حالتها، وحتى في أقصى درجات الهشاشة، تحتفظ بكرامتها غير القابلة للانتهاك، وتستحق أن تُرعى وتُرافق ويُخفَّف ألمها برحمة إنسانية وبمساعدة الوسائل التي يقدّمها العلم».
كما استعاد لقاءه مجموعة من ضحايا الاعتداءات، موضحًا أنه طلب منهم أن يساعدوه في نقل رغبته ورغبة الكنيسة إلى سائر الضحايا في أن يتم الإصغاء إليهم والسير إلى جانبهم في مسيرة الشفاء، مع الاعتراف بالألم الذي لحق بحياتهم والعمل على منع تكرار الاعتداءات.
وأشار أيضًا إلى مشاركته في مسيرة الشموع وصلاة المسبحة في لورد، مجددًا، خلال تحيته المؤمنين الناطقين بالإيطالية والألمانية، التشديد على أهمية تلاوة الوردية من أجل السلام طوال شهر تشرين الأول المقبل.
أوروبا... ولادة بعد الحرب
وفي المحطة الأخيرة من زيارته، استعاد البابا زيارته إلى متز، الواقعة في منطقة من فرنسا وأوروبا مزقتها الحرب العالمية الثانية.
وتوقف عند شخصية روبير شومان، أحد الآباء المؤسسين للاتحاد الأوروبي، الذي أمضى جزءًا كبيرًا من حياته في متز وعمل من أجل السلام بعد الحرب.
وقال إن أوروبا المعاصرة وُلدت بالفعل كمشروع سلام بعد الدمار الذي خلّفته الحرب، معتبرًا أن ما حدث لنوتردام في الحريق يشبه، بصورة ما، ما حدث لأوروبا خلال الحرب العالمية الثانية.
وأضاف أن أوروبا «وُلدت من جديد، على أسس الديمقراطية والتضامن والأخوّة بين الشعوب، وهي مبادئ تدين بالكثير إلى جذورها المسيحية».
وأكد أن المشروع الأوروبي يستطيع اليوم أيضًا أن يتجدد على هذه الأسس وبهذا «النسغ الحيوي»، في عالم أكثر عولمة.
وفي هذا الإطار، شدد على أهمية الحوار بين الأديان، مستعيدًا لقاءه في متز ممثلي مختلف الديانات، حيث تم توقيع «نداء متز» من أجل الحوار والسلام.
وتوقف البابا أيضًا، خلال تحيته المؤمنين الناطقين بالإيطالية، عند تطويب ثلاثة كهنة شهداء في بولونيا الأحد 27 أيلول، كانوا قد قُتلوا سنة 1944 على يد القوات النازية.
وقال إن «التضحية القصوى لهؤلاء خدام الله تُظهر لمسيحيي اليوم الشجاعة في الوقوف إلى جانب إخوتهم وأخواتهم، ولا سيما في أوقات المحنة».
«لا نُخفِ إيماننا»
وفي ختام تعليمه، استعاد البابا لاوُن الرابع عشر شعار زيارته الرسولية: «لكي تكون للعالم الحياة»، معربًا عن أمله في أن تحمل الرحلة «ثمارًا وافرة ودائمة».
وفي تحيته للحجاج الناطقين بالبرتغالية، قال: «ليكن الشهادة العلنية لمحبة يسوع المسيح التي رأيناها في فرنسا مصدر إلهام للكنيسة بأسرها. لا نُخفِ إيماننا!».
كما وجّه، في كلمته إلى المؤمنين الناطقين بالإنكليزية، تحية خاصة إلى إكليريكيي الكلية الإيرلندية الحبرية، وإلى الحجاج المشاركين في سيامة الشمامسة في الكلية الحبرية لأميركا الشمالية في الأول من تشرين الأول.