الأخبار

الفاتيكان

"فرح الحب" بعد عشر سنوات: الإصغاء إلى تحديات العائلات لاكتشاف الإنجيل من جديد

"فرح الحب" بعد عشر سنوات: الإصغاء إلى تحديات العائلات لاكتشاف الإنجيل من جديد

شهد اليوم الأول من اللقاء المخصص للإرشاد الرسولي «فرح الحب» للبابا فرنسيس، تأملًا قدّمته الراهبة هيلين ألفورد، الدومينيكانية من رهبنة القديسة كاترينا السيانية ورئيسة الأكاديمية الحبرية للعلوم الاجتماعية، بحضور البابا لاوُن الرابع عشر، دعت فيه إلى البحث عن سبل تشجيع الشباب على خوض «التحدي الكبير» المتمثل في الزواج والحياة العائلية، وقبول ما يرافقهما من ضغوط وتوترات بما يوقظ الثقة والشجاعة.

وانطلقت ألفورد في تأملها من قصة حقيقية لوالدين كانا يسيران مع طفلهما على ضفاف بحيرة تراسيمينو، قرب أسيزي، وأرادا أن يحدثاه عن الله. فسألاه: «من تعتقد أنه في السماء؟». وبعدما أجاب: الشمس والقمر والنجوم، سألاه إن كان يعتقد أن الله أيضًا في السماء، فأجاب بثقة: «لا، الله هنا معنا».

ومن هذه القصة، استهلت الراهبة تأملها خلال الجلسة الافتتاحية للقاء المنعقد في قاعة بولس السادس تحت عنوان «بعد عشر سنوات على فرح الحب: إعلان الإنجيل مع العائلات اليوم»، والذي يجمع رؤساء الكنائس الشرقية ورؤساء المجالس الأسقفية.

وكانت أعمال اللقاء قد افتُتحت بكلمة للبابا لاوُن الرابع عشر، سبقتها كلمتا ترحيب من عميد دائرة العلمانيين والعائلة والحياة الكاردينال كيفن جوزف فاريل، والأمين العام لسينودس الأساقفة الكاردينال ماريو غريش.


فرح ومسؤولية

وفي كلمته، شدد الكاردينال غريش على أن المشاركين، بوصفهم ممثلين لـ«العصب الحيوي للكنيسة الجامعة»، يحملون معهم خلال الأيام المقبلة أفراح وآمال عائلات كثيرة في أنحاء العالم، إلى جانب همومها ومخاوفها.

وأشار إلى أن هذه المسؤولية تقود إلى الإصغاء والتمييز، تحت إرشاد الروح القدس «على دروب رسالته».

من جهته، وصف الكاردينال فاريل حضور البابا في اللقاء بأنه «سبب لفرح عظيم»، وفرصة لإعادة قراءة المسيرة التي قطعتها الكنائس المختلفة، مع إبقاء النظر متجهًا إلى التحديات المقبلة.

وقال: «لقد حان الوقت للنظر إلى التحديات لكي تعيد العائلات اكتشاف الإنجيل بوعي أعمق».

وفي عالم مطبوع بالعلمنة والفردانية والحضور الطاغي للتكنولوجيا، وهي عوامل تتقاطع في «الإضعاف التدريجي لنقل الإيمان داخل العائلات»، شدد فاريل على ضرورة خلق بيئات تحمي الحياة المسيحية وتجسّدها في العلاقات والعاطفة والإيمان وخيارات الحياة.


إعلان الإنجيل مع العائلات ولها

وتوقفت الأخت ألفورد عند رسالة البابا لاوُن الرابع عشر الصادرة في 19 آذار الماضي، والتي مهدت لهذا اللقاء، مشيرة إلى ضرورة إعلان الإنجيل «مع العائلات وللعائلات».

وأوضحت أن البشارة كثيرًا ما تصل إلى الأشخاص الأكثر ضعفًا من خلال العائلات نفسها، التي تعيش دورها المزدوج بوصفها «كنيسة منزلية» و«خلية حيّة قادرة على تغيير العالم».


مواجهة الانقسامات

وأشارت ألفورد إلى أن التوترات والضغوط تطبع حياة العديد من العائلات، وقد تؤدي إلى خلافات وانقسامات.

واستعادت في هذا السياق ما ورد في «فرح الحب» عن أن «في أيام العائلة المريرة اتحادًا بيسوع المتروك يمكن أن يمنع الانقسام».

كما استحضرت ما قاله لاوُن الرابع عشر عن أن «جمال الدعوة إلى الزواج ينبغي البحث عنه عبر هشاشته ومعها وفي داخلها»، لأن الضعف يمكن أن يوقظ الثقة بالله، والثقة بالله توقظ بدورها الرغبة في القداسة.


لقاء يسوع بالسامرية

وانتقلت الراهبة إلى لقاء يسوع بالمرأة السامرية، الذي جرى في ظروف عائلية هشّة وغير مستقرة.

وتوقفت عند مراحل الحوار بينهما، كما حللها الأب الدومينيكاني مايكل بالوش، مشيرة إلى أن الحديث يبدأ بنوع من الغموض، قبل أن يضع يسوع المرأة أمام الحقيقة عندما يقول لها: «اذهبي وادعي زوجك».

فتجيبه بصدق: «ليس لي زوج»، ليكشف لها يسوع حقيقة حياتها، ما يقودها إلى اكتشاف أنها أمام نبي، ثم يدفعها لاحقًا إلى مشاركة الآخرين بما حدث معها.


مراحل البشارة

ورأت ألفورد أن هذا المشهد الإنجيلي يسمح برسم مراحل مختلفة للبشارة.

فهي تبدأ أولًا بإيقاظ الرغبة في الإيمان، ثم تنتقل إلى مرحلة مواجهة هشاشة الإنسان وضعفه، وهي مرحلة قد يميل البعض إلى تجنبها، لكن من دون إدانة، بل من خلال دعوة الشخص إلى الانفتاح وفهم التعليم، وصولًا إلى مشاركته مع الآخرين.


«نظرة يسوع»

وتوقفت الأخت ألفورد أيضًا عند مفهوم «نظرة يسوع» العزيز على البابا فرنسيس، وهي النظرة القادرة على تحويل امرأة وحيدة أرادت الابتعاد من الآخرين إلى شخص جدير بالثقة وقادر على اكتشاف قيمته.

وأوضحت أن يسوع يرى في الإنسان واقعه الكامل: عيوبه، ولكن أيضًا الوعد بحياة جديدة يحملها في داخله.

ورأت أن هذه الرؤية تكتسب أهمية خاصة في عالم اليوم، لأن «العلاقات لا تُرى إلا إذا سعينا إلى رؤيتها».

وأضافت أن العلاقات ليست أشياء مادية، لكنها موجودة بالفعل، ولذلك ينبغي اكتشافها من خلال «نظرة علائقية»، وهو أمر أساسي داخل العائلة، لأن الواقع الاجتماعي الإنساني، وفي مقدمته العائلة، «يتكوّن من العلاقات».


«قانون التدرج»

وأشارت ألفورد إلى أن البابا فرنسيس يذكر المرأة السامرية أربع مرات في «فرح الحب»، في حين أن القديس يوحنا بولس الثاني لم يذكرها مباشرة في الإرشاد الرسولي «في وظائف العائلة المسيحية»، لكنه أشار إلى بعض جوانب الحوار بين يسوع والمرأة.

ولفتت إلى أن البابا لاوُن الرابع عشر يعرض الوثيقتين معًا كحافز على «الالتزام العقائدي والرعوي للكنيسة في خدمة الشباب والأزواج والعائلات».

ومن المفاهيم المشتركة بينهما، بحسب ألفورد، «قانون التدرج»، أي أن الإنسان «يعرف الخير الأخلاقي ويحبّه ويحققه وفق مراحل نمو».

وشددت على أن المقصود ليس «تدرجًا في القانون»، بل تدرجًا في الممارسة الحكيمة للأفعال الحرة لدى أشخاص قد لا يكونون قادرين بعد على فهم متطلبات القانون الموضوعية أو تقديرها أو تطبيقها بالكامل.

وأوضحت أن همّ الحبرين الأعظمين يبقى المحافظة على المثال والاعتراف في الوقت نفسه بأن «القانون عطية من الله تدل على الطريق»، حتى عندما لا يكون بعض الأشخاص قادرين بعد على فهم متطلباته أو عيشها بصورة كاملة.


اختبار الهشاشة

وختمت ألفورد بالإشارة إلى أن خمسة وثلاثين عامًا تفصل بين الوثيقتين، وهي فترة شهدت خلالها الحياة العائلية المسيحية تحولات كثيرة.

ورأت أنه في أوقات التغير الاجتماعي السريع والاضطراب، قد يصبح من الضروري البحث عن طرق جديدة للتوفيق بين متطلبات القانون الموضوعية و«قانون التدرج».

ودعت في ختام تأملها إلى البحث عن وسائل «لتشجيع الشباب على مواجهة التحدي الكبير للزواج والحياة العائلية»، بوعي كامل بأنهم سيختبرون هشاشة كبيرة خلال مسيرة اكتشاف جمال هذه الدعوة، وأنهم قد يجدون في هذه الهشاشة مصادر جديدة وغير متوقعة لنعمة الله، ورغبة أصيلة في القداسة.

المصدر: صوت المحبّة