الأخبار
رسالة دائرة الحوار بين الأديان لمناسبة شهر رمضان وعيد الفطر السعيد
مع بداية شهر رمضان المبارك، وجّه عميد دائرة الحوار بين الأديان الكاردينال جورج جاكوب كوواكاد رسالة إلى جميع المسلمين كتب فيها:
"أيها الإخوة والأخوات المسلمين الأعزاء، يسرّني ببالغ السرور أن أتوجّه إليكم بمناسبة شهر رمضان المبارك، الذي يختتم بعيد الفطر السعيد. وتُتيح لي هذه المناسبة السنوية الكريمة فرصةً ثمينة لأُعرب لكم عن قربي، وتضامني الصادق، واحترامي العميق لكم، أيها المؤمنون بالله، "الواحد، الحيّ القيّوم، الرحيم القدير، خالق السماوات والأرض، الذي كلّم البشرية".
تابع: "وفي هذا العام، وبعناية إلهية تجلّت في تقارب التقويمين، يعيش معكم المسيحيون، في نفس الوقت، زمن الصوم الكبير الذي يقود الكنيسة إلى الاحتفال بعيد الفصح. وخلال هذه المرحلة الروحية المكثّفة، نسعى جميعًا إلى اتباع إرادة الله بأمانة أعمق. وتتيح لنا هذه المسيرة المشتركة أن نعترف بضعفنا الإنساني الأصيل، وأن نواجه التجارب التي تثقل قلوبنا."
وأضاف: "وحين نمرّ بالتجارب، سواء أكانت شخصية أم عائلية أم مؤسسية، نظنّ غالبًا أن إدراك أسبابها كفيل بأن يرشدنا إلى الطريق الصحيح. غير أننا نكتشف مرارًا، أن تشابك هذه الأوضاع وتعقيدها يفوقان قدرتنا. وفي عصر تتزاحم فيه المعلومات والروايات ووجهات النظر المتباينة، قد يعتري بصيرتنا شيء من الضبابية، وتشتدّ معاناتنا. وهنا يبرز السؤال: كيف السبيل إلى المضيّ قدمًا؟ ومن منظور إنساني بحت، قد يبدو الجواب عسير المنال، فيتسلّل إلى النفس شعور بالعجز".
تابع: "وفي مثل هذه اللحظات، قد يغري اليأسُ أو العنفُ البعضَ بسلوكهما. فقد يبدو اليأس استجابةً طبيعيةً لعالمٍ جريح، ويظهر العنف كأنه طريق مختصر نحو العدالة، متجاوزًا الصبر الذي يقتضيه الإيمان. غير أن كليهما لا يمكن أن يكون سبيلًا مقبولًا للمؤمنين. فالمؤمن الحقّ يثبّت نظره على النور غير المنظور، أي على الله – القدير، الرحيم، العادل وحده – الذي "يحكم الشعوب بالعدل". ويسعى بكل ما أوتي من قوة إلى العيش بحسب وصايا الله، إذ فيه وحده رجاء الدهر الآتي والسلام الذي يتوق إليه كل قلب بشري".
وأكد: "إننا – مسيحيين ومسلمين، ومعنا جميع ذوي الإرادة الصالحة – مدعوون إلى استشراف سبل جديدة وفتح آفاق متجددة للحياة. وهذا التجدد يصبح ممكنًا بفضل إبداعٍ تغذّيه الصلاة، ويزكّيه الصوم الذي يصفّي البصيرة، وتثبّته أعمال البرّ والإحسان الفعليّة. وكما يحثّنا الرسول بولس: "لا يغلبنّكم الشرّ، بل اغلبوا الشرّ بالخير".
تابع: "إخوتي وأخواتي المسلمين، ولا سيما الذين يعانون أو يكابدون آلامًا جسدية أو روحية بسبب تطلّعهم إلى العدالة والمساواة والكرامة والحرية، أؤكد لكم قربي الروحي، وأذكّركم بأن الكنيسة الكاثوليكية تقف إلى جانبكم متضامنةً معكم. فنحن متّحدون لا في معاناة التجارب فحسب، بل في الرسالة المقدّسة المتمثلة في إعادة السلام إلى عالمنا الجريح. إننا حقًا "جميعًا في القارب نفسه".
وختم عميد دائرة الحوار بين الأديان الكاردينال جورج جاكوب كوواكاد رسالته بالقول: "السلام – تلك هي أمنيتي القلبية لكل واحد منكم، ولعائلاتكم، وللبلدان التي تعيشون فيها. وليس المقصود سلامًا وهميًا أو مثاليًا، بل سلامًا – كما أكّد البابا لاوون الرابع عشر – يولد من "نزع السلاح من القلب والعقل والحياة". إنّه سلامٌ عطيةٌ من الله، يتعزّز بإطفاء جذوة العداء عبر الحوار، وبممارسة العدالة، وبالتمسّك بروح الغفران. ونسأل الله أن يكون هذا الزمن المشترك من شهر رمضان المبارك والصوم الكبير فرصةً لتحوّلٍ داخلي صادق، وحافزًا لعالمٍ متجدّد، تفسح فيه أسلحة الحرب المجال لشجاعة السلام. وبهذه المشاعر، أدعو الله القدير أن يفيض على كل واحد منكم محبته الرحيمة وتعزيته الإلهية".