الأخبار

الفاتيكان

البابا: لتكن الكنيسة المكان الذي ينطلق منه كل شيء وإليه يعود كل شيء

البابا: لتكن الكنيسة المكان الذي ينطلق منه كل شيء وإليه يعود كل شيء

ترأس قداسة البابا لاوُن الرابع عشر القداس الإلهي في كنيسة القديس أنسلمُس التاريخية على تلة الأفنتينو في روما، لمناسبة مرور مائة وخمس وعشرين سنة على تدشينها، وهي الكنيسة التي أرادها البابا لاوُن الثالث عشر لتعزيز الحضور البندكتاني في قلب الكنيسة والعالم.

في مستهل عظته، توقّف البابا عند قول يسوع لبطرس: «أنت صخر وعلى الصخر هذا سأبني كنيستي»، موضحًا أن هذا الاحتفال اليوبيلي يذكّر بأن الدعوة المسيحية، على مثال الرسول بطرس والقديس بندكتس وسواهما من القديسين، لا يمكن أن تُعاش بملئها «إلا إذا وضعنا المسيح في محور حياتنا ورسالتنا، بدءًا من فعل الإيمان الذي يجعلنا نرى فيه المُخلِّص، وترجمة هذا الإيمان إلى صلاة ودراسة والتزام بحياة مقدّسة».

واستعاد الحبر الأعظم رؤية البابا لاوُن الثالث عشر الذي أراد، من خلال بناء هذه الكنيسة والمعهد الدولي الملحق بها، أن يخدم وحدة الاتحاد البندكتاني ودوره في الكنيسة في مرحلة انتقالية صعبة بين القرن التاسع عشر والعشرين، مقتنعًا بأن هذه الرهبنة العريقة يمكن أن تكون «عونًا كبيرًا لخير شعب الله بأسره».

وأشار البابا لاوُن الرابع عشر إلى أن الرهبنة البندكتانية «كانت منذ نشأتها حقيقة على الحدود»، دفعت رجالاً ونساءً إلى إقامة «بؤر للصلاة والعمل والمحبة» في أماكن معزولة وصعبة، حوّلت أراضي قاحلة إلى أخرى خصبة زراعيًا واقتصاديًا، «لكن الأهم من ذلك من الناحية الروحية»، إذ أصبح الدير مكانًا للنمو والسلام والضيافة والوحدة، حتى في أحلك فترات التاريخ. وأضاف: «في زمننا أيضًا لا تغيب التحديات... تغيّرات مفاجئة تستفزنا وتطرح أسئلة لم تكن معروفة من قبل»، ما يستدعي عودة دائمًا إلى الأساس: المسيح في قلب الدعوة والرسالة.

وتوقّف قداسته عند الحياة الليتورجية واللاهوتية والحبرية التي تنبض في هذا المجمّع، من الليتورجيا إلى القراءة الإلهية، والبحث العلمي، والرعاية الرعوية، بمشاركة رهبان من مختلف أنحاء العالم، وانفتاح على الإكليروس والرهبان والعلمانيين من أصول وظروف متعددة. وشدّد على أن الدير، والمعهد الحبري، والمعهد الليتورجي والنشاطات الرعوية المرتبطة بالكنيسة «مدعوّة لأن تنمو أكثر فأكثر في تآزر كـمدرسة حقيقية لخدمة الرب»، وأن يكون هذا المجمّع «قلبًا نابضًا في الجسد الكبير للعالم البندكتاني، وفي محوره، الكنيسة».

وانطلق البابا من صورة النهر المتدفق من الهيكل، التي عرضتها القراءة الأولى، ليشبّه الكنيسة والقلب الروحي للمكان بمركز يضخّ «عصارة الحياة» في الجسد، بحيث يحصل كل عضو على الغذاء والقوة من أجل خير الأعضاء الآخرين، متقاطعًا مع صورة «البناء الروحي» المؤسس على الصخرة، أي المسيح. وقال: «في هذه الخلية النشطة للقديس أنسلمُس، لتكن الكنيسة المكان الذي ينطلق منه كل شيء وإليه يعود كل شيء، ليجد التدقيق والتأكيد والتعميق أمام الله».

وذكّر بما قاله البابا القديس يوحنا بولس الثاني خلال زيارته للمعهد الحبري بمناسبة الذكرى المئوية لتأسيسه، حين شدّد، مستشهدًا بالقديس أنسلمُس، على أن «معرفة الأسرار الإلهية ليست إنجازًا للعبقرية البشرية بقدر ما هي عطية يمنحها الله للمتواضعين والمؤمنين»، معتبرًا أن هذه الرسالة النبوية مدعوة اليوم لأن تنطلق من جديد من هذه الكنيسة إلى الكنيسة الجامعة والعالم.

وتوقّف البابا عند معنى تدشين الكنيسة كمبنى مقدّس، معتبرًا أنه «اللحظة الرسمية في تاريخ هذا المكان الذي يُكرَّس ليكون نقطة التقاء بين المكان والزمان، بين المحدود واللامحدود، بين الإنسان والله؛ إنه باب مفتوح نحو الأبدية»، حيث تجد الروح «الإجابة على التوق بين اللحظة الراهنة ونور الزمن والأفق الأوسع الذي يفتحنا على المستقبل كهدف نهائي يجذبنا». واستعاد في هذا السياق من أجمل نصوص المجمع الفاتيكاني الثاني التي تصف الكنيسة بأنها «إنسانية وإلهية، منظورة ومزودة بحقائق غير منظورة، حارة في العمل ومكرسة للتأمل، حاضرة في العالم لكنها في الوقت نفسه تسير في حجّ».

وفي ختام عظته، شدّد البابا لاوُن الرابع عشر على أن هذه هي خبرة كل مؤمن ومؤمنة في العالم، يبحثان عن «الإجابة النهائية والأساسية التي لا يكشفها اللحم والدم، بل الآب الذي في السماوات وحده»، وأن الحاجة تبقى دومًا إلى يسوع «المسيح ابن الله الحي»، الذي دُعينا لكي نبحث عنه ونقود إليه كل الذين نلتقي بهم. وختم داعيًا إلى شكر الله على العطايا التي منحنا إياها، ولا سيّما على المحبة التي سبقتنا، لكي يصبح هذا الهيكل «مكانًا للفرح أيضًا، نختبر فيه جمال أن نشارك مع الآخرين ما نلناه مجانًا».

المصدر: فاتيكان نيوز