عظة الأحد
أبصرتُ قبل أن أرى
في آخر الطريق إلى أورشليم، قبل أن يرتفع الصليب بقليل، وقبل أن يثقل الغبار أقدام التلاميذ،
كان رجلٌ أعمى يجلس على حافة العالم. لم يكن على الطريق… بل على هامشه. لم يكن في المسيرة… بل خارجها. وكان يعرف أنه لا يرى. والواقع أنّه في معظم الأحيان، أعظم نعمة أن يعرف الإنسان عماه!
1. الصوم: رحلة من الظلمة إلى النور
في طقسنا الماروني، الصوم ليس تقويماً من الامتناع، بل سلّمًا من التحوّل، رفقة الذي برأ التحوّلات. ففي قانا، خجل الماء من نفسه أمام عظمة مبدعه… فتحوّل خمرًا. وعلى قارعة الحياة، وَجدَ البَرَص في اللَمسة القدسيّة معنَى العدوى الحقيقيّة، فكان البُرءُ المُبين. ومع استراق اللمسة الخفيّة، تحوّل نزف الحياة إلى ولادة جديدة. وفي أريحا، تحوّلت الظلمة التي اعتادت أن تكون قدرًا، إلى باب نور. فالصوم هو هذا العبور الهادئ: من العرس إلى الجرح، ومن الجرح إلى الصرخة، ومن الصرخة إلى الرؤية. ليس صدفة أن نصل إلى أسبوع شفاء الأعمى قبل الآلام مباشرة. فالذي لا يتعلّم أن يرى، لن يفهم معنى الصليب.
2. أعمى أريحا: الذي أبصر الاسم
قالوا له: "يسوع الناصري مارٌّ من هنا". لكنه لم يصرخ: "يا ناصري". بل قال: "يا ابن داود، ارحمني!" هو لم يرَ وجه يسوع، لكنه رأى هويّته. أحيانًا، القلب يبصر أسرع من العين. العين تحتاج إلى ضوء، أما القلب فيحتاج إلى جوع. وهذا الأعمى كان جائعًا للنور. رأت الجموع يسوع ومضت. هو لم يره… لكنه تعلّق به. تبعته الجماهير لأنهم رأوا. هو تبعه لأنه آمن. كم من مبصرين لا يعرفون من يمرّ بقربهم! وكم من عميان يسمعون الخطى، فيعرفون أن الخلاص صار قريبًا.
3. "اسكت"…
قال له الجمع: "اسكت". دائمًا هناك جمعٌ يخاف من الصرخة. لأن الصرخة تفضح العمى الجماعي. تفضح اللامبالاة. تفضح الراحة الباردة. لكن الإنجيل يقول: "فصرخ أكثر". هكذا يبدأ الصوم الحقيقي: حين لا نخجل من أن نطلب الرحمة. حين لا نساوم على حاجتنا. حين لا نرضى أن نبقى جالسين عند أطراف الطريق. في شرقٍ تتكاثر فيه العتمات، وفي وطنٍ يتعب كل يوم من نفسه، نحتاج إلى جرأة هذا الأعمى. أن نصرخ لا احتجاجًا فقط، بل رجاءً.
4. الله الذي توقّف
"فوقف يسوع". أي سرّ هذا؟ الجموع تمشي، التلاميذ مستعجلون، أورشليم تنتظر، الصليب يلوح في الأفق… ويسوع يتوقّف. يتوقّف الله عند صوت ألمٍ واحد. يتوقّف عند أنين قلبٍ واحد. يتوقّف عند صرخة خرجت من العتمة. ثم يسأله: "ماذا تريد أن أفعل لك؟" كأن الربّ لا يريد أن يفرض النور، بل أن يُريد من الإنسان أن يلتمسه. فالنور الذي لا يُشتَهى، لا يخلّص.
5. "أن أبصر"
ما أبسط الطلب… وما أعمقه. لم يطلب أن يستعيد سنواته الضائعة. لم يطلب تعويضًا عن عتمته. لم يطلب أن ينتقم من الذين سخروا منه. طلب أن يرى فقط. فالصوم، في جوهره، هو هذا الطلب المتواضع: "يا رب، أن أبصر". أن أبصر نفسي كما أنت تراها. أن أبصر خطيئتي دون تبرير. أن أبصر أخي دون أحكام. أن أبصر حضورك في تفاصيل أيامي. أن أبصر قبل أن أرى.
6. الرؤية التي تقود إلى المسير
قال له يسوع: "أبصر. إيمانك خلّصك". ولم يعد الأعمى إلى مكانه القديم. لم يرجع إلى قارعة الطريق. بل "تبعه ممجّدًا الله". الرؤية الحقيقية لا تعيدنا إلى ما كنّا عليه. هي لا تُرمّم الماضي فقط، بل تفتح المستقبل. والصوم ليس زمن إصلاح بسيط، بل زمن خروج. خروج من الهامش إلى الطريق. من الجلوس إلى الاتباع. من العتمة إلى المسير خلف النور، حتى لو قاد إلى الجلجلة.
7. قبل الآلام… افتحوا أعينكم
ليس عبثًا أن تضع الكنيسة هذا الإنجيل قبل أسبوع الآلام. كأنها تهمس لنا: لا تدخلوا إلى سرّ الصليب وأنتم عميان. إن لم نبصر الرحمة، سنرى في الصليب مأساة فقط. إن لم نبصر الحبّ، سنراه فشلاً. إن لم نبصر العطاء، سنراه خسارة. لكن إن أبصرنا بالإيمان، سنرى في الخشبة شمسًا، وفي الجرح بابًا، وفي الموت عبورًا.
خاتمة: صرخة هذا الصوم
في هذا الصوم، لسنا مدعوّين فقط إلى الامتناع، بل إلى الاعتراف. أن نعترف بأن فينا مناطق لا ترى. أن فينا ظلالاً نؤجّل مواجهتها. أن فينا خوفًا من النور. فلنجرؤ أن نصرخ: "يا ابن داود، ارحمني". ولنثق أن الربّ سيمرّ. وسيتوقّف. وسينادينا باسمنا. وحينها، ربما نستطيع أن نقول، كما قال ذلك الرجل الذي جلس يومًا على هامش الطريق: أبصرتُ قبل أن أرى.
الخوري مخائيل قنبر