عظة الأحد

التاريخ: 2026-05-03 يوحنا (21 ، 15 - 19) الخوري فيكتور الشدياق الخوري فيكتور الشدياق

الأحد الخامس من زمن القيامة - يسوع يسلّم الرعاية لبطرس - "أنتَ الخليفة أمام الخليقة"

إخوتي الأحبّاء،

في هذا الأحد المبارك الذي تدخل من خلاله كنيستنا المارونية في الأسبوع الخامس من زمن القيامة المجيدة، وبعد مسيرة التحوّل التي أجراها المسيح القائم من بين الأموات في شخص توما فحوّل شكّه إلى يقين وإيمان ثابتَين، وتلميذَي عمّاوس إذ حوّل جهلهما إلى معرفة عميقة بيسوع الإيمان وليس فقط بيسوع الجسد، والأسبوع الماضي مع التلاميذ والصّيد العجيب حيث تأمّلنا بمدى قدرة الله على إنهاء الفشل وجعل النجاح سيّد العلاقة معه. تقودنا قراءات اليوم، العهد القديم – الرسالة والإنجيل، إلى سلوك المسيرة الإيمانية العميقة التي أجراها بطرس من خلال حمل رسالة المسيح، ككهنة نلنا سرّ العماد، إلى كل مَن نلتقي بهم ومن خلالهم إلى العالم أجمع، فنصبح الكنيسة الحيّة التي تجعل البشارة فاعلة على هذه الأرض وخاصةً أمام الأزمات التي يمرّ بها مجتمعنا في أيّامنا هذه. 

أولًا: قراءة العهد القديم

إنّ هذه القراءة التي اختارتها ليتورجيّتنا المارونيّة  من سفر حزقيّال النبيّ، تضعنا أمام المعنى الصحيح للرعاية من خلال الله الراعي الصالح. فنحن أمام الآب السماويّ الذي يقدّم ذاته كراعٍ حقيقيّ لنا، يقود شعبه بالحقّ والعدل، على عكس الرعاة الباقين الّذين أذلّوا هذا الشعب وأهملوه وجعلوه مستسلم أمام الضيقات، ناهيك عن تعبّدهم للأوثان وممارستهم اللّاعدالة. فيأتي الله كي يعيد هذا الشعب المختار إلى الطريق الصحيح الذي يقود إلى الحريّة، إلى أرضه، ولكن منتصرًا. وعليه، فإنّ هناك نوعَين من الرعاة: المستغلّون والصالحون. 

تضعنا إذًا هذه القراءة أمام ذواتنا كي نفحص ضميرنا حيال علاقتنا بالآخرين: فهل نحن نستغّل هذا الآخر لمكاسب شخصيّة وغايات أنانيّة؟ هل نحن مصدر شكّ وحجر عثرة أمام الآخر؟ أم نحن رعاة حقيقيّين على صورة الله، وبابٌ مفتوح يمرّ فيه جسرٌ ممدود يجمع الخليقة بخالقها؟ 

ثانيًا: الرسالة

تُكمل رسالتنا مسيرة التمييز في طريقة عيش هذه الرعاية، ولكن مع نوعَين آخرَين: الأولى هي الرعاية بحسب الشهوات، على مثال أهل أفسس الذين كانوا يعيشون في الزلّات والخطايا والتعدّيّات. فكانوا يسيرون بعيدًا عن مشيئة الله، الراعي الحقّ، أي بحسب شهواتهم الخاصّة فسقطوا. من هنا، عندما يهيمن الجسد على عقل الإنسان، لن يتمكّن أبدًا من إرضاء الله. إمّا الجسد إمّا الله. 

أما الرعاية الثانية فتكمن في المسيح، كثير الرأفة والمحبّة. عندما يذكر مار بولس فعل "أحبّنا" هذا يعني أنّ الله يبقى المبادر الأوحد والأوّل كونه ليس إله الغضب لا بل إله الرحمة والعدالة. من هنا، يوضح لنا مار بولس، من خلال اختباره الشخصيّ وارتداده، بعد أن سلك بروح هذا العالم واستسلم لشهواته وغرائزه التي أعمت بصيرته، أنّ الرعاية الحقّة تلخّص عمل الله في الإنسان، والإيمان يلخّص جواب الإنسان لله. لذا، تسألنا الرسالة اليوم: أيّ راعي أريد اتّباعه؟ هل أريد شهوات هذا العالم وحيله؟ أم أريد الله الذي هو الطريق والحق والحياة؟ 

ثالثًا: الإنجيل 

أما إنجيل اليوم فيضعنا أمام مشهد إرسال بطرس لعيش الرعاية ذاتها التي أوضحها المسيح له بعد أن ثبّت إيمانه، وهذه الرسالة لهي توكيل أساسيّ من المسيح الإله لبطرس الإنسان، والمتجسّدة بثقة الله به لإكمال مسيرة البشرى السارّة. 

يسأل يسوع بطرس "أتحبني؟" ثلاث مرات، ومعناه أنّ الرعاية والخدمة لتتحقّقا فعليًّا، يجب أن تتلوّنا بنكهة المحبّة كي تكون صالحة وهادفة وتعطي الثمار. وهذا دليل لكل مَن يتحمّل مسؤوليّة معيّنة في حياته العمليّة، العائليّة و..... أنّ المحبّة يجب أن تُزرع في قلب كل مَن يرعاهم ويخدمهم. فبغياب المحبة تصبح خدمتنا مجرّد تمثيل وكاذبة.

إذًا، إنّ السؤال الذي طرحه يسوع أصبح علامة لبطرس على أنّ المحبة الشخصيّة التي يكنّها للمعلّم، هي البوصلة التي من خلالها سينتقل لعيش الرعاية في قلب الكنيسة. فالسؤال "أتحبني؟"، وهي ترمز إلى أهميّة الخروج من الذات للقاء الآخر، هي هبة القلب والعقل، هي المحبة المترجمة بالعمل والحق وليس فقط بالكلام. ويأتي جواب بطرس  "يا يسوع أنت تعلم أني أحبك"، ليدلّ على العاطفة التي يملكها في قلبه ليس إلّا. ولكن يسوع يردّ بالمهام التالية: في المرّة الأولى، "إرعَ..." وبالترجمة الأصليّة تعني "أطعم"، وفي المرّة الثانية تعني "أرشد". وعندما ذكر يسوع الحملان والخراف والنعاج فقصد بها كل إنسان على وجه الأرض، المؤمن وغير المؤمن، الذي أصبح ضمن مسؤوليّة بطرس لنقل فرح الرب له.

وفي النهاية قبلَ بطرس هذه المسؤولية وهذه الرعاية الموكولة له استجابةً لدعوة المسيح له بقيادة سفينة الكنيسة وسط عواصف هذا العالم. حتى أنه قادها حتى الموت على الصليب في روما بأمرٍ من نيرون سنة 67.

إخوتي الأحبّاء،

في حال لم نختبر حب الله لنا منذ التكوين، لن نتمكّن من مبادلته الحب أيضًا، ويبقى صوته مجرّد صدى دون أي مفعول.

في حال لم نختبر الإيمان والنعمة اللّذين وضعهما الله فينا، لن نتمكّن من إجابته كبطرس:"يا رب أنت تعلم أني أحبك". 

وعندما تحب الله لا يمكنك أن تبقى مكتوف الأيدي، كما يقول البابا الراحل فرنسيس، بعيدًا عن رسالة الكنيسة، فكل شخص منّا يشكّل هذه الكنيسة. فلنتشجّع، فإنّ الرب يتّكل على الوزنات التي يتمتّع بها كل مؤمن من بيننا كي تبقى المحبة هي اللغة الوحيدة التي تجمع الخراف والنعاج والحملان تحت كنف الراعي الصالح.

وعندما تبدأ بعيش هذه الغيرة على رسالة الكنيسة، تصبح راعيًا على مثال الراعي الحقيقيّ يسوع المسيح، له المجد من الآن وإلى الأبد. آمين