عظة الأحد
الأحد السادس من زمن القيامة - ظهور يسوع للرسل في العليّة - السلام عليكم
يوم قيامة الربّ يسوع من بين الأموات، وبينما يعيش الرسل ومعهم التلاميذ حالة بين الفرح والبهجة، الريب والشكّ، ظهر يسوع فيما بينهم وقال لهم: "السلام عليكم".
في ذلك اليوم، ظهر يسوع لبعض النساء، ثمَّ لتلميذَي عمّاوس كانا ذاهبين إلى قريتهما، كما ظهر لبطرس. وجميعهم يتحدَّثون بتلك الأمور، وهم ما زالوا حيارى، وقف يسوع في وسطهم وقال لهم: "السلام عليكم".
قبل موته وقيامته، أعطى يسوع تلاميذه سلامه قائلاً: "سلامي أعطيكم، لا كما يعطيه العالم".
ما هذا السلام الذي يتحدَّث عنه يسوع؟
1. "وعلى الأرض السلام": منذ تجسُّده في عالمنا، حمل المسيح إلينا السلام، إذ هتفت الملائكة: "المجد لله في العلى، وعلى الأرض السلام". وبالرغم من ذلك، لم يعرف العالم السلام، لا قبل التجسُّد الإلهيّ ولا بعده. فما هذا السلام الذي أتى به؟
يقول لنا بولس الرسول: "يسوع هو سلامنا". "إذا كان الله معنا، فمن علينا؟" السلام الذي يعطيه إيَّانا يسوع، هو سلام داخليّ، هو سلام روحيّ، لا سلام خارجيّ. نتذكَّر القدّيس شربل. بينما كانت السماء مكفهرَّة والبرق والرعد يملآن السماء والأرض، كان القدّيس شربل راكعًا يصلّي، وهو في عالم آخر. نزلت صاعقة وأحرقت ثوبه، أمّا هو فلم يشعر بشيء. أسرع الإخوة وأطفأوا ثوب القدّيس وهو لم يدرِ ما يجري حوله. هذا هو السلام الذي يمنحه المسيح للذين يحبُّونه. هو سلام لا يُعطى من خارج، بل من فوق. سلام لا يستطيع العالم أن يعطيه، بل المسيح. بقدر ما يبني الإنسان علاقة متينة بالمسيح بقدر ما يمتلكه السلام الحقيقيّ.
2. "سلامي أعطيكم": في حياته العلنيَّة، علَّم يسوع مشيرًا إلى السلام الذي يعطيه. نعيش في هذا الشرق، حالة من الحرب الدائمة. تبدأ فجأة وتتوقَّف فجأة. يتحكَّم في هذا العالم رؤساء الدول العظمى، يريدون بسط سلطانهم على الدول الصغيرة كلبنان وسواه. فلا يعرف العالم الخارجيّ راحة ولا سلامًا، بل قلقًا على المصير، وخوفًا من اندلاع المعارك في أيَّة لحظة. وبالرغم من هذا، يقول لنا الربُّ يسوع: "سلامي أعطيكم، لا كما يعطي العالم أعطي أنا". أنظر إلى الشهداء الذين استُشهدوا في القرون الأولى، وحتَّى في زمننا الحاضر. نتذكَّر الشهداء المسابكيّين الثلاثة القدّيسين مع إخوانهم الرهبان الفرنسيسكان. قدَّموا حياتهم ذبيحة مرضيَّة لله. ثورة عصفت بمدينتهم، أمّا هم فكانوا راكعين أمام مذبح الكنيسة يصلُّون بخشوع. طُلب منهم نكران إيمانهم. فضَّلوا الموت على النكران. لاقوا الشهادة بقلب فرح وسلام داخليّ بالرغم من الثورة الخارجيَّة.
3. "السلام عليكم". بعد القيامة، وبينما التلاميذ يتحدَّثون بتلك الأمور، ظهر يسوع فيما بينهم. شعروا بالرهبة لأنَّهم لم يتوقَّعوا أن يروا يسوع الذي شاهدوه يموت على الصليب منذ يومين. لم يتوقَّعوا أن يكتب المسيح نهاية له مختلفة عن العالم. لم يقم كما أقام لعازر من الموت. لم يقم بجسده الترابيّ. لم يقم لحياة فانية. قام إلى حياة أخرى لا يُدركها إلاَّ المؤمن به. والسلام الذي يمنحه لا يمكن أن يُعطى من عالم الأرض، بل من عالم آخر، لم يختبره قبل المسيح أحد بعد. هذا السلام اختبر شيئًا منه يوسف بن يعقوب لأنَّه سلَّم أمره لله. اختبر جزءًا منه أيُّوب الصدّيق لأنَّه لم يُمل قلبه إلى السوء، بل قال: "الربُّ أعطى والربُّ أخذ، فليكن اسم الربّ مباركًا". اختبره يوسف زوج مريم "فقام من نومه وفعل كما أمره ملاك الربّ". اختبرته مريم فهتفت: "أنا أمة الربّ فليكن لي بحسب قولك".
"سلام المسيح" يكون معنا. كم مرَّة يذكر الكاهن في القدَّاس: "السلام لجميعكم"؟ فالكاهن يطلب من المؤمنين أن يعيشوا اختبار السلام الداخليّ في القدَّاس، ليبقى مرافقًا إيَّاهم طوال الأسبوع. فيا ليتنا نترك سلامه يملأ قلوبنا! ما أحوجنا اليوم إلى هذا السلام وسط ضجيج العالم وحروبه ومعاركه!
الخوري أنطوان الدويهيّ