عظة الأحد

التاريخ: 2026-08-02 لوقا (19 ، 1 - 10) الخوري شربل الشمالي الخوري شربل الشمالي

الأحد الحادي عشر من زمن العنصرة - توبة زكّا العشّار - زكّا… حين لا يكفي أن تملك كل شيء

هناك لحظات في حياة الإنسان يكتشف فيها أن المشكلة ليست دائمًا في ما ينقصه، بل في ما يعجز عن أن يملأ قلبه. فقد يملك الإنسان الكثير، ويصل إلى ما كان يحلم به، ويحصل على المكانة التي كان يسعى إليها، ثم يكتشف في أعماقه فراغًا لا يستطيع شيء في هذا العالم أن يملأه. فالإنسان لا يعيش فقط بما يملك، بل بما يعطي لحياته معنى. وقد عبّر القديس أغسطينوس عن هذا العمق الإنساني بكلمات أصبحت صلاة كل قلب يبحث عن الله:"خلقتنا لك يا رب، وظلّ قلبنا مضطربًا حتى يستريح فيك". ففي أعماق كل إنسان عطش لا يرويه إلا الله، وفراغ لا يملؤه إلا حضوره. 

ومن هنا نفهم قصة زكّا العشّار، لا كحكاية رجل عاش منذ ألفي سنة فقط، بل كمرآة تكشف رحلة كل إنسان يبحث عن الامتلاء الحقيقي، وعن المعنى الذي يتجاوز حدود الأشياء التي يملكها. كان زكّا، في نظر الناس، يحمل كل الأسباب التي تجعل منه شخصًا مرفوضًا. كان رئيسًا للعشّارين في أريحا، المدينة التجارية المهمة، وكان يعمل لحساب السلطة الرومانية. وقد ارتبط اسم العشّارين في ذلك الزمن بالظلم والاستغلال، لأن كثيرين منهم كانوا يستغلون موقعهم ليجمعوا أكثر مما يُطلب منهم. لذلك كان زكّا غنيًا وصاحب نفوذ، لكنه كان في الوقت نفسه معزولًا عن الناس، بعيدًا عن قلوبهم، محرومًا من القبول والمحبة. لقد أعطاه المال القدرة على امتلاك أشياء كثيرة، لكنه لم يمنحه السلام. وأعطته السلطة مكانة أمام الناس، لكنها لم تمنحه أن يكون محبوبًا. فقد ينجح الإنسان أمام العالم، لكنه يبقى محتاجًا إلى أن يجد نفسه أمام الله. لأن الإنسان لا يُقاس فقط بما يملك، بل بما يسكن قلبه.

وهذا ما كان يحدث مع زكّا. فرغم كل ما جمعه، بقي في داخله سؤال لا يستطيع المال أن يجيبه: هل هناك شيء أكثر؟ هل توجد حياة تتجاوز النجاح والمركز والثروة؟ هل هناك فرح أعمق من أن يراه الناس قويًا؟ ولهذا يقول الإنجيل: "وكان يطلب أن يرى من هو يسوع" (لوقا 19: 3). هذه العبارة تكشف بداية التحول في حياة زكّا. فهو لم يعد يبحث عن شيء جديد يضيفه إلى ممتلكاته، بل كان يبحث عن شخص يعطي معنى لكل حياته. لقد سمع عن يسوع الذي يقترب من الخطأة، ويعيد الرجاء إلى المنكسرين، ويفتح بابًا جديدًا لمن ظنّ الجميع أن طريقهم انتهى. كان في قلبه عطش لا يستطيع المال أن يرويه، ولا النفوذ أن يشبعه، ولا نجاحه الشخصي أن يطفئه. وهذا العطش هو بداية كل لقاء حقيقي مع الله، لأن الإنسان يبدأ بالعودة إلى الله عندما يكتشف أن الأشياء لا تستطيع أن تمنحه ما يستطيع الله وحده أن يعطيه.

ولهذا ركض زكّا وصعد إلى الجميزة ليرى يسوع. والجميزة في الرواية الإنجيلية ليست مجرد تفصيل تاريخي، بل تحمل لنا معنى روحيًا عميقًا. فهي الشجرة التي ساعدت زكّا أن يرفع نظره فوق الجموع لكي يرى المسيح. وفي حياتنا نحن أيضًا توجد "جميزات" يضعها الله في طريقنا لكي تساعدنا على الاقتراب منه. قد تكون شخصًا ترك أثرًا إيمانيًا في حياتنا، أو كلمة سمعناها في لحظة كنا بحاجة إليها، أو شهادة حياة فتحت أعيننا على حضور الله، أو تجربة مؤلمة جعلتنا نبحث عن معنى أعمق. فالله لا يترك الإنسان وحده في مسيرة البحث عنه، بل يرسل دائمًا علامات ووجوهًا وأحداثًا تقوده إليه. كم من أشخاص كانوا جميزة في حياتنا، رفعوا نظرنا فوق ضجيج العالم، وساعدونا أن نرى الرب بطريقة أوضح! وفي المقابل، يطرح علينا الإنجيل سؤالًا عميقًا: هل نحن جميزة للآخرين؟ هل حياتنا تساعد من حولنا على الاقتراب من الله؟ هل حضورنا يرفع الآخرين نحو المسيح؟

لكن المفاجأة الكبرى في قصة زكّا ليست أنه رأى يسوع، بل أن يسوع هو الذي رآه أولًا. فالإنجيل يقول: "فلما جاء يسوع إلى المكان، نظر إلى فوق فرآه، وقال له: يا زكّا، أسرع وانزل، لأنه ينبغي أن أمكث اليوم في بيتك" (لوقا 19: 5). هنا تبدأ المعجزة الحقيقية. فالجموع كانت ترى زكّا من خلال خطيئته، أما يسوع فرآه من خلال رحمته. الناس رأوا ماضيه، أما المسيح فرأى مستقبله. الناس رأوا العشّار الخاطئ، أما الرب فرأى الابن الذي لم يفقد مكانه في قلب الآب. كانت نظرة يسوع إليه أكثر من مجرد نظرة عابرة؛ كانت نظرة تعيد إليه كرامته وهويته. لأن الإنسان لا يتغير عندما يُدان، بل عندما يكتشف أنه محبوب. ولا يتحرر عندما يُذكّر فقط بسقوطه، بل عندما يلتقي بمن يستطيع أن يقيمه. وهنا يظهر قلب المسيح الحقيقي: هو لا ينتظر الإنسان حتى يصبح كاملًا لكي يحبه، بل يحبه لكي يبدأ رحلة الكمال. فهو لا يأتي إلى الإنسان بعد أن يشفى، بل يأتي إليه لكي يشفيه. لذلك لم يقل يسوع لزكّا: أصلح حياتك أولًا ثم آتي إليك، بل قال له: "ينبغي أن أمكث اليوم في بيتك" (لوقا 19: 5).

لقد دخل يسوع إلى بيت زكّا قبل أن يدخل التغيير الكامل إلى حياته. فاللقاء سبق التوبة، والمحبة سبقت التحول، والنعمة سبقت الاستحقاق. وهذا هو سرّ الإنجيل كله: نحن لا نتوب لكي يحبنا الله، بل لأننا اكتشفنا أنه أحبنا أولًا. فزكّا لم يتغير لكي يستحق لقاء المسيح، بل لقاء المسيح هو الذي خلق فيه إنسانًا جديدًا. ولهذا نسمعه بعد اللقاء يقول: "ها أنا يا رب أعطي نصف أموالي للمساكين، وإن كنت قد وشيت بأحد أرد أربعة أضعاف" (لوقا 19: 8). لم تكن هذه الكلمات مجرد قرار خارجي، بل كانت إعلانًا عن قلب تغيّر. فالذي يلتقي المسيح حقًا لا يبقى أسيرًا لماضيه، ولا عبدًا لما يملكه، لأن حضور المسيح يعيد ترتيب أولويات الإنسان. يصبح المال وسيلة لا سيدًا، وتصبح السلطة خدمة لا امتيازًا، وتصبح الحياة كلها جوابًا على محبة الله.

إن قصة زكّا هي قصة كل واحد منا. فلكل إنسان جميزة في حياته، ولكل إنسان لحظة يناديه فيها المسيح باسمه. قد نختبئ خلف نجاحاتنا، أو مخاوفنا، أو جراحنا، أو الصور التي صنعناها أمام الآخرين، لكن الرب لا ينظر إلينا من الخارج فقط، بل يدخل إلى عمق القلب. هو لا يكتفي بأن نراه، بل يريد أن نسمح له أن يرانا كما نحن. لذلك يبقى النداء الذي قاله يسوع لزكّا موجّهًا إلى كل قلب اليوم: "انزل... لأنني أريد أن أمكث في بيتك." فالخلاص لا يبدأ عندما يصبح الإنسان قويًا، بل عندما يسمح لله أن يعمل فيه. ولا يبدأ عندما يغيّر الإنسان نفسه بقوته الخاصة، بل عندما يفتح قلبه لنعمة الله التي تغيّره من الداخل.

وفي النهاية، أجمل ما في قصة زكّا ليس أنه بحث عن يسوع، بل أنه اكتشف أن يسوع كان يبحث عنه قبله. فالله لا ينتظر الإنسان في نهاية الطريق، بل يخرج للقائه في بداية الطريق. وقبل أن نرفع نحن أعيننا إليه، تكون عيناه قد سبقتانا بالمحبة. وقبل أن نفتح نحن باب القلب، يكون هو واقفًا يطرق وينادي:" اليوم ينبغي أن أمكث في بيتك" (لوقا 19: 5). وهنا تبدأ الحياة الجديدة: عندما لا يعود الإنسان يعيش بما يملك، بل بمن يملك قلبه. لأن أعظم غنى ليس أن تكون لديك أشياء كثيرة، بل أن يكون الله حاضرًا في حياتك. ففي حضوره يجد القلب راحته، ويجد الإنسان نفسه، ويكتشف أن من كان يبحث عنه طوال حياته كان هو منذ البداية يبحث عنه بمحبة لا تنتهي.