عظة الأحد

التاريخ: 2026-11-01 متى (16، 13 - 20) المطران جوزف معوّض المطران جوزف معوّض

أحد تقديس البيعة - تدبير المسيح والكنيسة

في أحد تقديس البيعة وبداية السنة الطقسية، نتأمّل في الحوار الذي جرى بين بطرس ويسوع (را متى 16: 13-20)، وفيه أعلن بطرس إيمانه بيسوع، معترفًا بأنه المسيح ابن الله الحي. وقد كشف له ذلك لا اللحم والدم، أي القوى الطبيعيّة، بل الآب السماوي. وأمام هذا الاعتراف الإيماني، جعل يسوع من بطرس الصخرة التي عليها يبني كنيسته. والصخرة هي رمز الثبات، فمار بطرس مدعوّ إلى تثبيت الكنيسة في الإيمان بالمسيح.

والسنة الطقسية بدورها هي المجال الذي تعلن فيه الكنيسة إيمانها بالمسيح، على غرار بطرس، وتتأمّل في هوّيّتها. ولذلك، فإن للسنة الطقسية بُعدين متلازمين نتوقّف عندهما: بُعد مرتبط بالمسيح، وبُعد مرتبط بالكنيسة.

أولًا: البُعد المرتبط بالمسيح

السنة الطقسية مرتبطة بالمسيح، ويظهر ذلك من خلال التذكار والشكر، والايمان، والخلاص.

1. التذكار: في السنة الطقسيّة، نتذكّر التدبير الخلاصي الذي أتمّه يسوع. وفي هذا التدبير، نتأمّل في حياة المسيح وأعماله، بدءًا من فترة التحضير للميلاد، وصولًا إلى ميلاد يسوع، ثم نتأمّل في حياته العلنيّة والآيات التي صنعها، في زمن الدنح وزمن الصوم، ثمّ في آلامه وموته لفداء العالم في أسبوع الآلام، وبعد ذلك في قيامته وترائيّاته في زمن القيامة، ثمّ في حلول الروح القدس في العنصرة، وفي رسالة الكنيسة بقوّة هذا الروح، وصولًا إلى التأمّل في مجيئه الثاني في نهاية السنة الطقسية، في الزمن الذي ندعوه اليوم بزمن الصليب.

هذا التذكار هو موقف أساسي بالنسبة إلى المؤمن. فالله، في العهد القديم كما في العهد الجديد، يدعو المؤمن إلى أن يتذكّر ما فعله من أجله. فيدعو الشعب في العهد القديم إلى أن يتذكّر كيف خلّصه من العبودية، وأبرم معه العهد، وسار معه واعتنى به (را خر 13: 3؛ تث 8: 2 و11-18؛ مز 103: 2). وفي العهد الجديد، يدعو السيد المسيح تلاميذه إلى تذكّر تدبيره في العشاء السري، عندما قال: «افعلوا هذا لذكري» (را لو 22: 19؛ 1 قور 11: 23-26). فالمؤمن الحقيقي هو الذي يتذكّر دائمًا ما فعله الله من أجله. وفي القدّاس نعبّر عن التذكار حين نعلن أنّنا "نذكر موتك ياربّ ونعترف بقيامتك..."

2. الشكر: لماذا نتذكّر؟ لكي نشكر. نتذكّر كلّ ما فعله الله من أجلنا، الخلق الّذي فيه أعطانا الحياة، والخلاص بالفداء، والمواهب والكنيسة، فنرفع إليه الشكر. إن موقف الإنسان الأساسي تجاه الله هو الشكران، فالإنسان لا يستطيع أن يقدّم شيئًا إلى الله، لأن الله لا يحتاج إلى شيء من الإنسان، بل هو الذي يعطيه كلّ شيء. ما يستطيع أن يفعله الانسان هو أن يشكر الله، ويلتزم بارادته. وهذا الشكر هو اعتراف بعطاياه، وموقف عرفان جميل تجاهه. ويرفع المؤمنون هذا الشكر في السنة الطقسيّة، خصوصاً في الافخارستيا التي تعني الشكران.

3. الخلاص: في السنة الطقسية، لا نتذكّر فقط تدبير المسيح الخلاصيّ الّذي أتمّه في الماضي من أجلنا، بل ننال أيضًا، اليوم، هذا الخلاص عبر الليتورجيا. فالخلاص الّذي نتذكّره، تقدّمه الليتورجيا الآن، ولاسيّما الافخارستيا، أي تجعله آنيّاً، حاضراً الآن. ويشمل هذا الخلاص غفران خطايانا، وتجديد الشركة البنويّة مع الله والأخويّة فيما بيننا، والنعمة التي تعيننا في مسيرة حياتنا على الأرض، لنبلغ المجد الأبديّ.

4. الإيمان: في السنة الطقسية، نعلن، على مثال بطرس، إيماننا بالمسيح، ونتأمّل في تدبيره الخلاصي، أي في كلّ ما عمل وعلّم. ونكرّر هذا التأمّل كلّ سنة. ليس هذا التكرار عقيمًا ولا نمطيّاً يجعلنا نراوح مكاننا، بل انه يجعلنا ننمو في معرفتنا للمسيح. فعندما نكرّر التأمّل بتعليم المسيح وأفعاله، بمعونة الروح القدس، نكتشف فيها أبعادًا جديدة، تنمّي معرفتنا للمسيح، وايماننا به، وشركة المحبة معه. والتلاميذ أنفسهم، نمت وتعمّقت معرفتهم بالمسيح عندما كرّروا قراءة الأحداث و أفعال السيد المسيح وتذكّر أقواله، على نور القيامة. فهم عندما سمعوا قول المسيح: «اهدموا هذا الهيكل وأنا أبنيه في ثلاثة أيّام»، فهموا، على نور القيامة، أنه كان يعني بهذا الكلام جسده (را يو 2: 19-22). وهذا دلالة على أنّ التذكّر، وتكرار التأمّل في كلمات السيد المسيح وأفعاله، يُعيناننا على معرفة المسيح.

ولكي ننمو، نحتاج إلى التواضع، أي إلى الاعتراف بأننا لا نعرف كلّ شيء، وأنّنا لا نزال تلاميذ تجاه المسيح. دعا السيد المسيح الى التواضع عندما قال: «أحمدك أيّها الآب، ربّ السماء والأرض، لأنّك أخفيت هذه الأمور عن الحكماء والفهماء، وكشفتها للصغار» (متّى 11: 25). يدلّ الحكماء والفهماء على المتكبّرين الذين يظنّون أنهم يمتلكون المعرفة كلّها، فيغلقون أنفسهم على النموّ في المعرفة. أما الصّغار، فهم المتواضعون الذين يقبلون أن يكونوا تلاميذ باستمرار، فيمكّنهم ذلك من التقدّم والنموّ في معرفة المسيح.

هذه السنة الطقسية، التي لها بُعد مرتبط بالمسيح، لها أيضًا بُعد مرتبط بالكنيسة.

ثانيًا: البُعد المرتبط بالكنيسة

السنة الطقسيّة مرتبطة بالكنيسة أيضًا. فنتأمّل منذ بداية السنة، في أحد تقديس البيعة، وخلالها، بنشأة الكنيسة، وبهوّيّتها كجسد المسيح وعروسه، وبرسالتها.

1. نشأة الكنيسة: بالتدبير الخلاصي الذي نتأمّل فيه خلال السنة الطقسية، والذي يتمحور حول موت المسيح وقيامته وإرسال الروح القدس، أنشأ الرب الكنيسة. وبفضل هذا التدبير، قدّسها ويقدّسها بصورة دائمة. لقد أنشأ الكنيسة عبر كلّ حياته، وبصورة خاصّة عبر سرّ الفداء. فبالفداء أعطى الخلاص للبشر، بتحريرهم من خطاياهم، وترميم شركتهم مع الله ومع بعضهم البعض. وأراد أن يؤلّف جميع الّذين يؤمنون به، ويقبلون الخلاص، الكنيسة التي هو رأسها. وبذلك أتمّ تدبير الآب الذي لم يُرِد أن يخلّص البشر كأفراد لا رابطة بينهم، بل كجماعة مرتبطة فيما بينها برباط الإيمان والمحبة.

من هنا، نستطيع القول إن الكنيسة وُلدت من سرّ الفداء. وقد دلّ الآباء على هذه الولادة من خلال رمزيّة الماء والدم اللذين خرجا من جنب يسوع المطعون. فالماء يرمز إلى المعموديّة، والدمّ إلى الإفخارستيّا، وهما سرّان يبنيان الكنيسة وينمّيانها. وفي هذا السياق، شبّه الآباء الكنيسة الخارجة من جنب المسيح المطعون، أي المسيح الفادي، بحوّاء التي خرجت من جنب آدم.

2. تشبيه الكنيسة بجسد المسيح وعروسه: بحسب الكتاب المقدس، تُشبَّه الكنيسة بجسد المسيح وبعروسه.

- جسد المسيح: تُدعى الكنيسة بجسد المسيح (را أف 1: 22-23؛ 5: 23؛ قول 1: 18). فالمسيح هو رأس الكنيسة، وهي جسده، وهذا يدلّ على الاتحاد بين المؤمنين والمسيح، لدرجة أنهم يؤلّفون جسدًا واحدًا. وقد قال بعض القدّيسين إننا عندما ننتمي إلى الكنيسة نصبح المسيح (را التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكيّة، عدد 795)، إشارةً إلى هذا الاتحاد. فانّنا نصبح في الكنيسة أعضاء المسيح، ويعمل المسيح الرأس، فينا ومن خلالنا. فكما أن الرأس في الجسد الطبيعي يوجّه بقيّة الأعضاء ويديرها، وهي تستجيب له، كذلك في الكنيسة، المسيح هو الرأس الذي يوجّه الأعضاء، وهي تتبعه. أمّا الفرق فهو أن أعضاء الجسد الطبيعي تطيع الرأس بصورة تلقائيّة، أمّا نحن، أعضاء المسيح في الكنيسة، فنطيعه بحرّيّتنا.

- الكنيسة عروس المسيح: تدلّ تسمية الكنيسة بعروس المسيح على التمايز بين المسيح والكنيسة في اتّحادهما (را يو3: 29؛ أف 5: 25-27؛ 2 قور 11: 2؛ رؤ 19: 7-9؛ 21: 2). فالزوجان متّحدان ومتمايزان في الوقت نفسه، وهذا التشبيه يجمع بين هذين البُعدين أي التمايز والاتّحاد. وتُسمّى الكنيسة بالعروس دلالةً على محبّة المسيح عريسها لها حتّى بذل الذات على الصليب، وعلى أمانة الكنيسة لعريس واحد، هو المسيح، وبدون هذه الأمانة لا تستطيع أن تحافظ على هوّيّتها. هذا التشبيه هو علامة الحب والأمانة.

3. رسالة الكنيسة: ليس للكنيسة رسالة مستقلّة عن رسالة المسيح، فرسالتها هي امتداد لرسالته في التاريخ والعالم. فهو الذي أسّسها، ويعمل من خلالها. وهذا هو مبرّر وجودها. وبالتالي تعلّم الكنيسة في رسالتها فقط ما يريده المسيح، وتشهد له. وتبشّر بالخلاص الذي أتمّه،وتقدّمه عبر الليتورجيا. وتشهد للمحبّة التي أحبّنا بها، من خلال تضامنها الروحي والاجتماعي مع الآخرين.

والمسيحي مدعوّ بحكم معموديّته، إلى المشاركة في رسالة الكنيسة، من خلال الشهادة للمسيح، عبر أقواله وحياته، بأنّه مخلّص العالم الوحيد.

في هذه السنة الطقسيّة، نشكر الله على الخلاص الذي منحنا ايّاه بابنه يسوع، ونسأله أن ينمّينا في إيماننا بفعل روحه القدّوس، وأن نعيش كمسيحيّين منتمين الى الكنيسة برباط المحبّة والإيمان. آمين.