الأخبار

العالم

البابا في اليونسكو: التكنولوجيا في خدمة الإنسان والسلام

البابا في اليونسكو: التكنولوجيا في خدمة الإنسان والسلام

في إطار زيارته الرسولية إلى فرنسا، زار قداسة البابا لاوُن الرابع عشر عصر الجمعة مقر منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو» في باريس، حيث شدّد على أن مستقبل البشرية يرتكز، قبل كل شيء، على صون كرامة الإنسان وتعزيز العدالة، داعيًا إلى وضع التقدم العلمي والتكنولوجي في خدمة الشخص البشري، وجعل التربية والثقافة أداتين حقيقيتين لبناء السلام والأخوّة بين الشعوب.

وكان في استقبال البابا المدير العام للمنظمة خالد العناني والمراقب الدائم للكرسي الرسولي لدى اليونسكو. وشهدت الزيارة مراسم استقبال رسمية في قاعة «سيغور»، صافح خلالها الحبر الأعظم كبار مسؤولي المنظمة، قبل أن يعقد لقاءً مغلقًا مع المدير العام في مكتبة اليونسكو، حيث وقّع السجل الذهبي وتبادل معه هدايا ذات قيمة تاريخية ورمزية. كما شارك البابا والعناني في ريّ شجرة زيتون في «حديقة التسامح»، في لفتة رمزية تعكس الالتزام بزرع السلام في العقول والضمائر.

وعقب استماعه إلى خلاصة أعمال «منتدى الشباب في العصر الرقمي»، ألقى البابا خطابًا أمام ممثلي الدول الأعضاء في القاعة الكبرى، أكد فيه أن بناء عالم عادل يشكّل الأساس الحقيقي للتعاون الدولي، وأن الخبرات والقدرات والكفاءات ينبغي أن تُسخَّر لإقامة فضاء مفتوح أمام الجميع، يتيح لكل شعب أن ينمو في سلام.

وقال البابا لاوُن الرابع عشر إنه يأتي إلى اليونسكو «شاهدًا للسلام» وراعيًا يحمل كلمة الكنيسة التي تصبح، على الدوام، «رسالة» و«حوارًا» موجّهين إلى جميع الشعوب وإلى الرجال والنساء ذوي الإرادة الصالحة، مشيرًا إلى أن الكرسي الرسولي يرى في اليونسكو شريكًا مميزًا في خدمة الخير العام.

وذكّر بأن عام 2027 يصادف الذكرى الخامسة والسبعين لحضور الكرسي الرسولي لدى اليونسكو، موضحًا أن هذا الحضور ينطلق من القناعة بأن مستقبل البشرية يعتمد، قبل كل شيء، على احترام كرامة كل إنسان وتعزيزها، وهي كرامة غير قابلة للانتزاع. وأشار إلى أن بعثة المراقبة الدائمة للكرسي الرسولي، ومنذ عام 1952، تواكب مبادرات المنظمة من هذا المنطلق وتُسهم في الحوار بين الأمم دعمًا لتنمية بشرية أصيلة تشمل «كل إنسان والإنسان بكليته».

واستعاد البابا كلمات القديس يوحنا بولس الثاني أمام اليونسكو قبل ستة وأربعين عامًا، حين أكد أن «الجنس البشري يعيش بالفن والعقل»، وأن الإنسان يعيش حياة إنسانية حقًا بفضل الثقافة. ودعا إلى النظر إلى اليونسكو ليس فقط كمنظمة دولية مرموقة، بل كمكان تتأمل فيه البشرية ذاتها وتاريخها ومستقبلها، لأن تعزيز التربية والعلوم والثقافة لا ينفصل عن تعزيز حياة الإنسان الذي يبقى محور هذه المجالات وغايتها.

وتوقف البابا لاوُن الرابع عشر عند خبرة الكنيسة الكاثوليكية العريقة في مجال التربية، من المدارس والجامعات إلى حضورها في أكثر المناطق فقرًا ونأيًا، مشددًا على أن أي تربية لا تكتمل إذا لم تواجه مسألة المعنى. وذكّر بأن التربية لا تعني مساعدة الإنسان على أن «يمتلك» أكثر فحسب، بل على أن «يكون» أكثر، مع الاعتراف ببعده المتعالي وبملء إنسانيته.

وطرح البابا سؤالًا اعتبره أساسيًا: «ماذا يعني أن نكون بشرًا؟»، لافتًا إلى أن كل ثقافة معنية بهذا السؤال، وأنه لا يمكن حتى في القرن الحادي والعشرين التسليم بأن البشرية تعرف سلفًا من هو الإنسان وما معنى أن يعيش حياة إنسانية، إذ إن كل جيل مدعو إلى مواجهة هذا التحدي الثقافي، ولا سيما في ظل المآسي التي تتكرر في عالم اليوم.

وأوضح أن الإنسان، أولًا، يُحبَل به ويولد، وبالتالي فإن كوننا بشرًا يعني أن نكون أبناء، وهي حقيقة لا تحمل بعدًا بيولوجيًا فقط، بل أخلاقيًا أيضًا، إذ إن كوننا أبناء يجعلنا إخوة وأخوات. وأضاف أن الولادة تنطوي على رابط أصيل وشركة حياة تجد في الأسرة مصدرها وسياقها التربوي الأول.

وأشار إلى أن الإنسان يولد أيضًا عاريًا ومعوزًا، محتاجًا إلى الخبز والكلمة والرعاية والمودة، محذرًا من أن نسيان هذه الحقيقة يؤدي إلى خيانة إنسانية الأكثر ضعفًا ورفضهم أو استغلالهم. وقال إن الحياة، حين تُفصل عن تاريخنا الإنساني المشترك، قد تتحول من عطية إلى سلعة، ومن دعوة إلى العناية والمسؤولية إلى منتج للاستغلال.

وفي حديثه عن الحرية، أكد البابا أنها تكون جميلة عندما تتجه نحو الخير والحقيقة، لكنها تتشوّه حين تنزلق إلى الاعتباط والعنف والعطش إلى السلطة، لافتًا إلى أن الإنسان قادر بعمل عقله ويديه إما على زراعة الأرض أو تشويهها، وعلى إنتاج الفن أو تدميره. وشدد على أن «أفظع الأعمال البشرية هو الحرب»، لأنها تضع العلم نفسه في خدمة إرادة لا إنسانية للتدمير والقتل.

واستعاد البابا لاوُن الرابع عشر العبارة الواردة في ديباجة دستور اليونسكو: «بما أن الحروب تنشأ في أذهان البشر، ففي أذهان البشر يجب أن تُبنى حصون السلام»، مذكّرًا بأن البشرية أدركت بعد الحرب العالمية الثانية أن التقدم العلمي، إذا انفصل عن الحكمة، قد يتحول إلى سلاح مدمر، وأن الثقافة إذا خضعت للأيديولوجيا قد تصبح كذبًا ودعاية، فيما تتحول التربية، إذا تخلت عن الحقيقة، إلى أداة للتلاعب بالضمائر.

وأكد أن السلام لا يُبنى بالمعاهدات والتسويات وحدها، بل حين ينبع من العدالة والإرادة المستقيمة التي ترى في الآخر أخًا أو أختًا، داعيًا إلى أن تبقى التقنيات الجديدة في خدمة الإنسان، وألا تتحول إلى أدوات جديدة للسيطرة والظلم.

وتوقف البابا مطولًا عند الذكاء الاصطناعي، مشيرًا إلى المفارقة المتمثلة في منح الأنظمة الاصطناعية اسم «الذكاء» البشري، فيما يواجه العالم صعوبة متزايدة في الاعتراف بالكرامة غير القابلة للتصرف لكل إنسان، بحيث تُقاس حياة بعض الأشخاص بمعيار الكفاءة، ويُرفضون أو يُستبعدون عندما يُعتبرون غير منتجين.

وفي هذا السياق، شدد على أن المرض أو الألم لا ينتقصان من كرامة الإنسان، وأن هذه الكرامة لا ترتبط بالقدرات التي يمتلكها الشخص، بل تتطلب، على العكس، رعاية محبة في مختلف مراحل الحياة وصولًا إلى الموت. وأكد أن الإيمان المسيحي يجد النور الكامل لسر الإنسان في المسيح، الذي يكشف للإنسان ذاته ودعوته السامية.

ودعا ممثلي الدول والعالم الأكاديمي والعلمي إلى العمل معًا لكي يتحول تنوع وجهات النظر إلى توافق في الرؤية، ومنه إلى انسجام في العمل، مستعينًا بصورتين من الكتاب المقدس: برج بابل وساحة العنصرة، بوصفهما نموذجين مختلفين لوحدة الأسرة البشرية.

وأوضح أن برج بابل يمثّل وحدة مفروضة بالهيمنة، كاشفًا أن السلطة كلما ازدادت قمعًا ازدادت ضعفًا ولا إنسانية، فيما تؤدي محاولة إخضاع الشعوب إلى التشتت وسوء الفهم. ورأى أن إغراء بابل يتكرر اليوم في عولمة بلا أخوّة، وفي الاستعمار المالي الجشع، والفرض الأيديولوجي، و«الاتصالات من دون روابط» التي تختزل الحياة البشرية إلى تجارة، محذرًا من أن العلم نفسه، إذا اختُزل إلى تقنية للسلطة، قد يتحول من وسيلة لرفع شأن الإنسان إلى أداة للحط من قدره.

وأشار إلى أن العالم يمتلك اليوم أدوات قادرة على ربط الأشخاص والقارات فورًا، فيما تتزايد في المقابل أشكال العزلة والبؤس المادي والروحي والهجر. فالاتصال أصبح أسرع، لكنه ليس بالضرورة أكثر صدقًا، والمعلومات باتت وفيرة من دون أن تتطابق مع الحكمة. وحذر من أن غياب الأخلاقيات المهنية قد يجعل وسائل الاتصال مضاعِفة للأخبار الكاذبة، فيما يزيد الذكاء الاصطناعي المشكلة حدة لأنه قادر على الربط بين البيانات، لكنه عاجز عن الإجابة عن الأسئلة المتعلقة بمعنى الوجود البشري.

وقال البابا إن «المعنى هو أكسجين العقل»، مشددًا على أن تحديات التواصل هي أيضًا تحديات تربوية، وأن البحث عن الحقيقة يشكل قضية عدالة اجتماعية وإنصاف تاريخي، مرحبًا في هذا الإطار ببرنامج اليونسكو لمحو الأمية الإعلامية والمعلوماتية وتشجيع الاستخدام المسؤول لوسائل الإعلام والأدوات الرقمية.

كما حذر من أن اللغة، حين تنفصل عن الحقيقة، تخضع لمنطق العنف وإرادة الأقوياء، بحيث يُستبعد الآخر باسم الربح ويُقتل الأبرياء باسم الحرية، فيما يُستخدم القانون وفق المصالح. ودعا المجتمع الدولي إلى إيلاء حماية الأطفال والشباب اهتمامًا خاصًا، مؤكدًا أنه لا يجوز في العصر الرقمي أن تتحول هشاشتهم إلى فرصة للاستغلال، بل يجب أن تدعم التكنولوجيا نموهم وتنشئتهم وعلاقاتهم وتحمي حريتهم في التفكير والتمييز.

وفي مقابل «بابل»، قدّم البابا لاوُن الرابع عشر صورة العنصرة التي تُقبل فيها رسالة السلام من جميع الشعوب من دون أن تلغي الشركةُ التنوعَ، بل تسمح له بالازدهار في انسجام الأصوات والوجوه. وقال إن الوحدة الحقيقية لا تلغي الاختلافات، بل تثمن التاريخ الشخصي لكل فرد والثقافة الاجتماعية والدينية لكل شعب، معتبرًا أن «سلام العنصرة»، لا «جبروت بابل»، هو الذي يجعل الشركة بين الشعوب ممكنة.

وتابع أن الحقيقة وحدها تجعل الإنسان حرًا، وأن التربية والعلم مدعوان إلى الاهتمام بوحدة الإنسان في جسده وروحه وحياته الشخصية وعلاقاته بالآخرين وبالبيئة، مجددًا دعوة أسلافه إلى العناية بالشخص البشري والخليقة معًا، ومستعيدًا حديث البابا بندكتس السادس عشر عن «إيكولوجيا الشخص البشري» ورؤية البابا فرنسيس للإيكولوجيا المتكاملة.

ووضع البابا معيارًا لاختبار صدقية الالتزام بالكرامة الإنسانية، يتمثل في طريقة رعاية الأصغر والأكثر فقرًا: الأطفال في أرحام أمهاتهم وفي ساحات الحروب، والأشخاص ذوو الإعاقات الجسدية والفكرية، والمسنون، والمهاجرون واللاجئون، وجميع الذين يُستبعدون لأنهم يُعتبرون غير منتجين. وأكد أن الأزمة البيئية الراهنة هي أيضًا أزمة أنثروبولوجية، وأن المجتمع هو الموطن الحقيقي للإنسان، حيث تزدهر الشعوب في السلام وفقًا للعدالة.

وفي حديثه عن المؤسسات الدولية، أشار البابا لاوُن الرابع عشر إلى أن العالم ينظر إليها اليوم بمشاعر متناقضة، إذ تُطلب منها مواجهة أزمات تتجاوز قدرة أي دولة منفردة، لكنها تعاني في الوقت نفسه أزمة فاعلية، ولا سيما عندما يُنظر إلى الحوار كعائق أمام العمل بدل اعتباره موردًا للسلام. ودعا، في مواجهة ذلك، إلى استعادة فضيلة الثقة: الثقة بأن الاختلاف لا يشكل بالضرورة تهديدًا، وأن المواجهة الصادقة قادرة على إنتاج خير أكبر مما يستطيع كل طرف تحقيقه بمفرده.

وأكد أن الكرسي الرسولي يريد أن يعزز هذه الثقة داخل اليونسكو وسائر المنظمات الدولية، انطلاقًا من رجاء لا يتجاهل الصعوبات، بل يؤمن بأن الخير يبقى ممكنًا دائمًا. وقال إن كل طفل يولد يحمل معه رجاءً، وإن كل رجل وامرأة يكرسان حياتهما للبحث عن الحقيقة يقومان بفعل رجاء، داعيًا اليونسكو إلى مواصلة تعزيز التفاهم بين الأمم من خلال الحوار بين ثقافاتها.

كما شدد على الدور الثقافي الضروري للتقاليد الدينية، التي تعبّر عن أسئلة الإنسان حول أصل الحياة ونهايتها ومعنى الوجود، معتبرًا أن البشرية، حين تتجه نحو الله، تستطيع أن تتجاوز «فوضى بابل» وتلتقي في بحث مشترك عن المعنى والسلام، في وعي أنها ليست في مسيرة نحو العدم، بل مدعوة إلى تحالف بين شعوب تعترف بأنها أبناء لأب واحد وإخوة وأخوات بعضهم لبعض.

وفي ختام كلمته، أعرب البابا عن أمله في أن يعزز اللقاء التزام الجميع بالعمل من أجل جعل الوعي بالانتماء إلى إنسانية واحدة أكثر حيوية وفاعلية واستقامة، شاكرًا العاملين في اليونسكو على رسالتهم في «بناء السلام من خلال تنمية كل علم وفن من فنون الإنسانية».

ووجّه البابا لاوُن الرابع عشر كلماته بصورة خاصة إلى الشباب، معتبرًا أن الأجيال الجديدة تراقب أعمال الحاضر بأكبر قدر من الاهتمام، ومستمطرًا على الحاضرين وعلى الشعوب التي يمثلونها بركات الله، الخالق القدير والرحيم.

المصدر: صوت المحبّة