الأخبار
البابا لأساقفة فرنسا: ليكن صوت الكنيسة شجاعًا وحرًّا
في إطار زيارته الرسولية إلى فرنسا من 25 حتى 28 أيلول، توجّه البابا لاوُن الرابع عشر صباح الأحد إلى مزار سيدة لورد، حيث التقى مجلس أساقفة فرنسا ووجّه إليهم كلمة شدّد فيها على ضرورة تجديد الإيمان، ومواجهة التحديات بشجاعة، وتعزيز وحدة الكنيسة، مؤكدًا حق صوتها في أن يكون حاضرًا في النقاش العام في البلاد.
واستهل الأب الأقدس كلمته معبّرًا عن فرحه بلقاء الأساقفة «في هذا المكان الذي باركه الله»، على مقربة من المغارة التي ظهرت فيها السيدة العذراء للقديسة برناديت، وحيث يعقد الأساقفة الفرنسيون جمعياتهم العامة بانتظام.
وقال إن اختيار هذا المكان يعبّر بوضوح عن رغبتهم في وضع كنيسة فرنسا تحت حماية أم الله، مريم العذراء الكلية الطهارة، لكي تقودها بصورة أكثر أمانًا بحسب مشيئة الرب يسوع، مضيفًا: «لا توجد طريقة أفضل للوصول إلى يسوع من المرور بمريم العذراء. كل شيء فيها يقودنا إلى ابنها».
وأشار البابا إلى أن الكنيسة في فرنسا تواصل بهذا الخيار الإرث الذي تسلمته من آبائها في الإيمان منذ الأزمنة الأولى لإعلان الإنجيل في البلاد، لافتًا إلى أن تكريم أم الله ترسخ فيها بعمق، حتى إن فرنسا سُمّيت «مملكة مريم».
وذكّر بأن فرنسا كرّست نفسها رسميًا للسيدة العذراء في 10 شباط 1638، وأن البابا بيوس الحادي عشر أعلن لاحقًا سيدة الانتقال شفيعة لفرنسا، في تعبير عن العلاقة المميزة التي ربطت البلاد بالعذراء عبر تاريخها.
وأكد البابا لاوُن الرابع عشر أن مسيرة الثقة والحنان الطويلة مع مريم العذراء، التي عبّرت عنها التقوى الشعبية والمزارات والابتهالات والحج والكاتدرائيات، تواصل طريقها رغم العقبات، وتشهد للإيمان الحي لشعب الله.
وفي مواجهة «التحديات الهائلة» التي يفرضها الزمن الراهن، دعا الأساقفة إلى التحلي بالشجاعة والجرأة والإبداع الرسولي، وعدم الاستسلام للإحباط بسبب الأخطاء والتناقضات أو حتى السقطات التي طبعت مسيرة شعب الله.
وقال: «تحلّوا دائمًا بشجاعة الاعتراف بالأخطاء بمحبة الحقيقة، وبالعزم على مداواة الجراح بمحبة الراعي الصالح، الذي يعرف خرافه ويدعو كل واحد منها باسمه. انهضوا إذًا برجاء، ولا تتعبوا أبدًا من إعلان الإنجيل!».
وتوقف البابا عند غنى تاريخ الكنيسة في فرنسا وخصوبته، مشددًا على أهمية العودة إليه لبناء مستقبل الجماعات المسيحية والبلاد نفسها.
وأوضح أن الكنيسة شهدت على البناء التدريجي للأمة الفرنسية وأسهمت فيه، ولا تزال حتى اليوم جزءًا لا يتجزأ من ثقافتها وهويتها ورسالتها في العالم.
ومن هنا، أكد أن من حق صوت الكنيسة أن يكون حاضرًا في النقاش العام في فرنسا، انطلاقًا من رسالتها النبوية، وقال إن هذا الصوت، حتى عندما لا يكون مفهومًا أو لا يؤخذ به، يبقى ضروريًا، خصوصًا في المسائل الأساسية التي تمس أسس الحضارة.
وأشاد بعزم الأساقفة وشجاعتهم في النقاشات الأخيرة المتعلقة بنهاية الحياة، داعيًا إياهم إلى المثابرة إلى جانب جميع أصحاب الإرادة الصالحة الذين يدافعون عن القيم نفسها.
وتطرق البابا لاوُن الرابع عشر إلى السياق العلماني الخاص الذي تعيشه فرنسا، معتبرًا أنه ثمرة تاريخ مضطرب أصبح اليوم أكثر سلامًا، لكنه ينبغي أن يتيح للكنيسة القيام برسالتها.
وحذّر من أن التوازن الذي تم التوصل إليه بصعوبة بدأ يُطرح تدريجيًا موضع تساؤل، كما يحصل في أماكن أخرى من العالم الغربي، داعيًا الأساقفة إلى عدم الاستسلام وإلى التحلي باليقظة للدفاع عن حرية الكنيسة وحقها في إعلان الإنجيل، والتربية على الحرية الحقيقية، وممارسة العبادة علنًا، لكي تتمكن المحبة من أن تُمارس بصورة مرئية باسم يسوع المسيح.
واستعاد البابا ما كتبه سلفه البابا فرنسيس في مناسبة إعادة افتتاح كاتدرائية نوتردام في باريس، حين دعا المعمدين إلى «استعادة إرثهم الإيماني»، مؤكدًا أن تشجيع المعمدين على استعادة هذا الإرث يشكل اليوم جزءًا من رسالة الأساقفة الرعوية في سبيل تجديد الكنيسة في فرنسا.
وأشار إلى أن ما أعطاه الرب للكاثوليك في فرنسا، «ابنة الكنيسة البكر»، يستحق شكرًا كبيرًا، مستذكرًا سلسلة القداسة الممتدة حتى اليوم، وازدهار الفنون والآداب والعلوم بدافع من الإيمان وعمل الروح القدس، إلى جانب نضج الوعي بكرامة الإنسان غير القابلة للتصرف، وضرورة حماية حقوقه وحرياته، فضلًا عن الاندفاع الرسولي الذي أثمر حتى أقاصي العالم.
وقال البابا إن الزمن قد نضج لكي يسمع كثيرون من المعاصرين صدى رسالة الإنجيل المفعمة بالرجاء، ويروا نور المسيح القائم من بين الأموات يتألق أمامهم.
وأشار إلى أن رسالة السلام التي مصدرها يسوع أصبحت أكثر انتظارًا في ظل ما تشهده فرنسا، كما غيرها من بلدان الغرب، من استقطاب مقلق وتراجع في الأخوّة والمودة ونوعية الحياة الاجتماعية، فضلًا عن تصاعد العنف وعدم المساواة والفقر.
وحذّر من أن خيبة الأمل والضياع تحلان محل الوعود الكاذبة بعالم يغيب عنه الله أو يُحصر فيه في المجال الخاص، مستذكرًا قول المسيح: «بمعزل عني لا تستطيعون أن تعملوا شيئًا».
وخصّ البابا الشباب بكلمة، مؤكدًا أنهم يحملون تطلعات كبيرة، وأن قلقهم إزاء العالم الذي سيُترك لهم لا يمنعهم من الاستعداد للالتزام بشجاعة وسخاء بكل ما هو جميل وحق وصالح.
ودعا الأساقفة إلى إرشادهم إلى طريق الإنجيل، معتبرًا أنه «الطريق الوحيد الآمن»، حتى وإن تطلب التزامًا وجهدًا.
وتوقف عند العلامة المشجعة التي تمثلها مسيرة الموعوظية، التي تشمل بصورة خاصة الشباب والشابات البالغين، واصفًا إياها بأنها «نعمة وفرح لكل شعب الله».
وشدد على ضرورة مرافقة هذه النعمة من خلال استقبال الشباب في جماعات مسيحية حيّة تمارس المحبة والتضامن، وتقديم تعليم عقائدي راسخ ومتجذر في كلمة الله، يساعدهم على مواجهة الاعتراضات والشكوك.
وفي حديثه عن تجديد الكنيسة والاندفاعة الرسولية الجديدة في فرنسا، أكد البابا لاوُن الرابع عشر أن هناك برنامجًا واحدًا لا غير: «أن نعرّف بيسوع المسيح وأن نجعل الناس يحبونه، بصورة أصيلة، وبشغف، دائمًا ودائمًا».
ووضع تحدي التربية في مقدمة التحديات الراهنة، متوقفًا بصورة خاصة عند التعليم الكاثوليكي وما يتعرض له «طابعه الخاص» من تشكيك.
وأشاد بانفتاح المؤسسات التعليمية الكاثوليكية على من لا يشاركون الكنيسة إيمانها، مع احترام حرية ضمير كل شخص، لكنه شدد في المقابل على أنها لا تستطيع التخلي عن مشروعها التربوي الخاص المتمحور حول المسيح، والذي يهدف إلى تنمية الإنسان بصورة متكاملة في أبعاده الروحية والثقافية والفكرية والأخلاقية والاجتماعية.
وأكد أنه ينبغي ألا يستغرب أحد وجود فرص داخل المؤسسات الكاثوليكية للقاء يسوع المسيح والإصغاء إلى كلمته، كما لا يجوز أن يجد أي تلميذ نفسه مهمشًا داخل صفه لمجرد أنه يؤمن بيسوع.
وتطرق الأب الأقدس إلى الاعتداءات على القاصرين التي ارتكبها أعضاء من الإكليروس، مشيرًا إلى أن أساقفة فرنسا واجهوا في السنوات الأخيرة هذه «الآفة المؤلمة» بعزم، واتخذوا تدابير شجاعة شملت الإصغاء، والبحث عن الحقيقة، والعدالة، والمغفرة، وجبر الضرر، وتعزيز ثقافة الوقاية والحماية.
وشكرهم على ما قاموا به، داعيًا إياهم إلى مواصلة الطريق الذي بدأوه والحفاظ على أقصى درجات اليقظة.
وفي الوقت نفسه، شدد على حاجة الإكليروس إلى الدعم والتشجيع، موضحًا أنه لكي تنشأ الدعوات الكهنوتية، يجب أن يكون الكاهن مرغوبًا فيه ومرحبًا به ومحبوبًا، وأن تكون هويته، المكوّنة على مثال المسيح، واضحة ومفهومة داخل شعب الله.
وأعرب البابا كذلك عن حزنه إزاء تراجع الدعوات إلى الحياة المكرسة، ولا سيما الحياة التأملية، متحدثًا عن إغلاق جماعات رهبانية عريقة ومرموقة أو اقتراب إغلاقها، بعدما كان لها أثر كبير في التاريخ.
وأكد أن تكريس الحياة لاتباع يسوع في مسيرة بهذه المتطلبات يحتاج، إلى جانب عمل النعمة، إلى سخاء خاص وتجذر راسخ في الإيمان وحياة داخلية مكثفة وقرب مميز من المسيح.
ولفت إلى أن هذه الشروط تنمو بصورة خاصة داخل العائلات المسيحية التي تستحق أقصى درجات العناية والدعم، معتبرًا أن تعميق حياة الإيمان وتجذيرها داخل العائلات يشكل مفتاحًا لمعالجة كثير من الأزمات التي تعيشها الكنيسة والمجتمعات.
وأوضح أن العائلة هي المكان الذي يتعلم فيه الإنسان الحياة المشتركة، واحترام الآخر، وقبول الاختلاف، والدعم المتبادل، والسخاء، ومجانية بذل الذات وروح التضحية، وقال: «لعلّ هذا هو التحدي الرئيسي الذي يجب أن نواجهه: أن يحيا يسوع كاملًا في العائلات الكاثوليكية في فرنسا، وأن ينيرها بحضوره!».
وتوقف البابا لاوُن الرابع عشر عند تحدي الوحدة، مشددًا على أهمية أن يجتمع تلاميذ يسوع في المحبة كما طلب المسيح من الآب: «ليكونوا بأجمعهم واحدًا [...] ليؤمن العالم بأنك أنت أرسلتني».
وقال إن الكنيسة في فرنسا «قطيع صغير» يحتاج إلى توحيد قواه من أجل الرسالة، محذرًا من أن الانقسامات الإيديولوجية تفقد شهادتها قوتها.
وأوضح أن الوحدة لا تعني إلغاء الفروق الشخصية أو فرض تسوية مسطحة، بل أن تلتقي مختلف الحساسيات الكاثوليكية الأصيلة في اعتراف مشترك بالإيمان، في الطاعة للرعاة الشرعيين، ولا سيما خليفة بطرس.
وأضاف أن هذه الوحدة ديناميكية، تتغذى من تقليد الكنيسة، من الآباء وصولًا إلى المجمع الفاتيكاني الثاني وتعليم الكنيسة اللاحق له، كما تغتني بالحوار المتبادل انطلاقًا من الإيمان، ووفق الأسلوب السينودسي.
وفي ختام كلمته، أكد البابا لاوُن الرابع عشر أن «الكنيسة في فرنسا عزيزة على قلب البابا»، معربًا عن مشاعر الحماس والرجاء التي يحملها تجاهها.
وقال إن شعب الله في فرنسا، الغني بجماعات حيّة وأخوية ومنفتحة على العالم، وبشباب متقد وملتزم في مبادرات متعددة، وبإرث كبير يسنده ويحمله المسؤولية في الوقت نفسه، سيواصل رسالته بحماس واندفاع، في إعلان يسوع المسيح وجعل الناس يحبونه، «لكي تكون للعالم الحياة».
وختم موكلًا مجلس الأساقفة والجماعات الأبرشية وفرنسا إلى حماية سيدة لورد الوالدية، ومنح الحاضرين بركته الرسولية.