الأخبار
المطران معوض ترأس قداس عيد مار مارون في كسارة
ترأس المطران جوزف معوض، قداسا احتفاليا في كاتدرائية مار مارون كسارة عاونه فيه النائب العام المونسنيور عبده الخوري، كاهن الكاتدرائية والرعية الاب شربل نبهان، القيّم الابرشي العام الاب البير سكاف، رئيس دير يسوع الفادي الاب ايلي صادر وكاهن رعية مار الياس حوش الامراء الاب طوني برهوم، بحضور المطران يوستينيوس بولس سفر وتيودور غندور والارشمندريت ايلي المعلوف ممثلا المطران ابراهيم ابراهيم، الارشمندريت جورج معلوف ممثلا المطران انطونيوس الصوري وجمهور من الكهنة والرهبان والراهبات ووزراء ونواب حاليين وسابقين وفاعليات.
وألقى معوض عظة جاء فيها: "انتهج مار مارون الحياة النسكية على جبال قورش في سوريا، حيث حوّل هيكلا وثنياً الى موضع لعبادة الله، فجعل من الأرض طريقاً الى السماء. والموارنة، الذين تسمّوا باسمه، انتشروا في سوريا ولبنان. واحتلت أرض لبنان في وجدان الموارنة فيه مكانة فريدة. ففيها تبلورت هويتهم المارونية بكلّ غناها الانطاكي، وتطوّرت على صعيد الهيكلية البطريركيّة، والليتورجيا، والروحانية. فعلى صعيد الهيكليّة، نشأت البطريركية المارونية حول دير مار مارون في أفاميا، سوريا، بين أواخر القرن السابع والنصف الأول من القرن الثامن. ثمّ استقرّت وتطوّرت منذ القرن العاشر، في لبنان، في مراكز عدّة، أبرزها، كفرحي، ويانوح، وميفوق، ووادي قنوبين، والديمان، وبكركي. وكان البطريرك والأساقفة، حتى القرن السابع عشر، رهباناً يعيشون معاً حياة ديريّة وسينودوسية، يعاون فيها الأساقفة البطريرك في الرسالة الراعوية، وكان الموارنة رعيّته، وهو لهم الأب والرأس. ومع المجمع اللبناني (في اللويزة - كسروان سنة 1736)، أُقرّ تنظيم جديد تعزّز مع المجمع الفاتيكاني المسكوني الثاني (1965) والتشريعات اللاحقة، وقضى بتوزيع الأبرشيات بحدود واضحة، واقامة الأساقفة فيها. وتابع البطريرك والأساقفة عيش السينودوسية ورعاية الكنيسة، وتثبيتها في الملمّات الصعبة".
أضاف: "أما ليتورجيا الكنيسة المارونية فهي انطاكية سريانية. استقلت عن ليتورجيات الكنائس الأخرى كالسريان والملكيين، مع نشأة البطريركية المارونية. واكتملت معالمها تدريجياً في لبنان. وفي القرن السابع عشر، قام الطوباوي البطريرك اسطفان الدويهي باصلاحها، بعد أن دخلتها تأثيراتٌ خارجية. وتواصل الاصلاح في لبنان عبر التاريخ، ولا سيما بعد المجمع اللبناني 1736، والمجمع الفاتيكاني المسكوني الثاني (1965). ان أرض لبنان تذكّرنا بالعودة الى الأصالة الليتورجية المارونية. (راجع المجمع البطريركي الماروني، النص الثاني عشر: الليتورجيا، بكركي 2006، عدد 7)، وتأثرت هذه الليتورجيا بالبيئة الزراعية وببساطتها، فعكستها بألحانها القريبة من الشعب، وبكنائسها، وصلواتها المتضمّنة صوراً مأخوذة من الأرض، فدعت المسيح بالحارث الذي يقتلع الزوان، وشبّهته بحبّة القمح التي قبلتها مريم كالأرض الطيبة، كما نرتل في القداس (راجع المجمع البطريركي الماروني، النص الثاني عشر: الليتورجيا، بكركي 2006، عدد 13 تعليق 6). واختبر المؤمنون ان نتاج الأرض عطيّة من الله، فالتجاوا الى شفاعة العذراء مريم في أعياد زراعيّة، كعيد سيّدة الزروع في 15 كانون الثاني، وعيد سيّدة الحصاد في 15 أيار".
واعتبر ان "ارض لبنان بالنسبة الى الموارنة، هي أرض النسك والتكرّس. ففي الوادي المقدس المعروف بوادي قنوبين، الممتد من سفوح جبال الأرز في بشري حتى قضاء الكورة، أقام الكثير من الرهبان في أديرة مبنيّة في الصخر، كدير مار ليشع، ودير سيدة قنوبين، ودير مار أنطونيوس قزحيا. وعاش النساك في صوامع وكهوف طبيعية بأعداد كبيرة. ووصف الرّحالة جان لا روك سنة 1690، الرهبان في دير قنّوبين، والمتوحّدين في المغاور المحيطة به، بحياتهم القشفة، وضيافتهم للجميع، وبساطتهم الرائعة. وشكّل حضورهم شهادة للجذرية الانجيلية، وللطابع النسكي والرهباني في الهوية المارونية. واختبر الموارنة أن أرض لبنان هي أرض الحرية. فبعد الفتح العربي، اعتصموا في الجبال الوعرة والوديان السحيقة في شمال لبنان وجباله، وبشكل خاصّ في منطقة الجبة ووادي قنوبين، طلباً للأمان. وقد لانت وعورة الأرض أمام صلابة ايمانهم، وتمسّكهم بحريتهم (راجع المجمع البطريركي الماروني، النص الثامن: الحياة الرهبانية في الكنيسة المارونية، بكركي 2006، عدد 5). وأرض لبنان هي مساحة العيش المشترك. ففي جبل لبنان، ألّف الموارنة جماعة متماسكة، ثمّ انتشروا، خصوصاً في القرن السادس عشر وما بعد، الى الداخل اللبناني كالبقاع، والى الجنوب، وتعاونوا مع عدد من الحاكمين المسلمين والموحّدين الدروز، من أبناء بلدهم، في العهد العثماني. وفي أيام الأمير فخر الدين المعني الكبير، تعزّز تعاونهم مع الدروز وسائر أبناء الجبل، وبدآت تنشأ نواة التعدديّة في الكيان الواحد، وتطوّرت عبر مجلس الادارة في نظام المتصرفيّة (1914-1861)، وتحقّقت باعلان لبنان الكبير (1920)، وتكرّست بالميثاق الوطني (1943)، وشكّلت المكوّن الأساسي لهوية لبنان".
أضاف معوض: "تُمثل أرض لبنان للموارنة الذاكرة الحيّة لهويتهم الكنسية بأبعادها البطريركية، والليتورجية، والروحية، والانسانية. ان الكنيسة المارونية لاهوتياً، هي كنيسة المسيح، ولا تنحصر في وطن أو في أرض، ولكنها تجد في أرض لبنان خصوصاً الجذور التي صاغت هويتها التاريخية. في هذا المعنى ان قيمة الأرض تعلو على قيمتها المادية. فهي إرث روحي مرتبط بهذه الجذور، وهي ضرورية للبقاء في الوطن، والاسهام في العيش المشترك".
وتابع: "في عيد مار مارون تعود الكنيسة المارونية الى جذورها، فتتجدّد لتكون الكنيسة التي يريدها المسيح. ولبنان بدوره يتجدّد، حين يعود اللبنانيون على اختلاف طوائفهم، الى جذور هوّيّتهم اللبنانية القائمة على الميثاق الوطني، وصيغة العيش المشترك. ففي هذا السياق، تعاهد اللبنانيون على بناء دولة واحدة للجميع، وعلى التشارك في الحكم. وعلمتنا التجربة التاريخية في لبنان، بما شهدته من أزمنة ازدهار وظروف صعبة، أن الميثاقيّة لا تقتصر على قرار اتُّخذ في الماضي، بل هي التزام في مسيرة مستمرّة، تحتاج الى حوار دائم وصريح بين جميع المكوّنات، من أجل تحصينها، وتعزيز صيغة العيش المشترك، بما في ذلك تقييم اتفاق الطائف. بهذه الروح الميثاقيّة، وفي هذا الوضع الاقليمي الراهن والمضطرب، نشخص الى الدولة راجين أن تتابع بسط سيادتها على كامل أراضيها، وتعتمد الحوكمة الشفافة والرشيدة، وتُتمّ الاستحقاقات الدستوريّة في موعدها، وتنجز التعافي الاقتصادي في أقرب وقت ممكن، بما يُنصف المواطنين في أجورهم، وتعويضاتهم، ويسرّع في ردّ ودائعهم. ونأسف شديد الأسف لانهيار مبنيين جديدين في طرابلس بالأمس، ونسأل اللّٰه الرحمة للموتى، والشفاء للجرحى، مع مناشدة المسؤولين في الدولة اتخاذ التدابير العاجلة لحماية السكان في الأبنية المهدّدة بالسقوط، والسهر على السلامة العامة".
وختم معوض: "نشكر اللّٰه على عطية الأرض، ونسأله، بشفاعة مارمارون، أن ينيرنا لنحافظ عليها، لِما تمثّله من إرث كنسي وروحي واجتماعي، ولنبني عليها معاً وطن الأخوّة والسلام. آمين".
وبعد القداس استقبل المطران معوض المهنئين في صالون المطرانية.